أعلنت هيئة الأركان العامة الأوكرانية تنفيذ ضربات منفصلة استهدفت منظومة دفاع جوي روسية من طراز Buk-M3، ومنشأة مرتبطة بإنتاج أو تجهيز طائرات Geran الهجومية غير المأهولة، ومحطة حرب إلكترونية. لا تتوافر حتى الآن معلومات مستقلة كاملة عن حجم الأضرار في كل موقع، لكن اختيار الأهداف يكشف منطقاً عملياتياً يركز على تعطيل سلسلة الخصم بدلاً من التعامل مع كل منصة منفردة.
تنتمي Buk-M3 إلى طبقة الدفاع الجوي المتحرك متوسطة المدى، ومهمتها حماية القوات والمنشآت من الطائرات والصواريخ وبعض الذخائر الموجهة. استهدافها يفتح ممراً أمام موجات لاحقة من المسيّرات أو الصواريخ، أو يجبر الجانب المدافع على نقل بطاريات أخرى وترك قطاعات أقل تغطية. لكن تدمير عربة واحدة لا يعني بالضرورة إخراج البطارية كلها؛ فالمنظومة تتكون من رادارات وقيادة وقواذف وعربات دعم.
من قمع الدفاع إلى ضرب مصدر النيران
إذا كانت الضربات قد نُفذت ضمن خطة مترابطة، فإن مهاجمة Buk-M3 ومحطة الحرب الإلكترونية قبل أو بالتزامن مع ضرب منشأة Geran تخدم غرضين: تقليل احتمال اعتراض الذخائر المهاجمة، وتقليل التشويش على الملاحة والاتصالات. هذا شبيه بمفهوم قمع الدفاعات الجوية، لكنه يُنفذ هنا بمزيج من الاستطلاع الفضائي والمسيّرات بعيدة المدى والذخائر الدقيقة.
محطات الحرب الإلكترونية هدف مهم لأنها تستطيع التشويش على إشارات الملاحة بالأقمار الصناعية أو روابط التحكم. إلا أن فعالية الضربة تعتمد على تحديد موقع المحطة في وقت قريب من الإطلاق؛ فالمعدات المتحركة قد تتوقف لفترات قصيرة ثم تغير مكانها. لذلك تصبح دورة الاستشعار والاستهداف أهم من مدى السلاح وحده.
منشأة Geran كعقدة صناعية
تمثل مسيّرات Geran الهجومية سلاحاً يعتمد على الكمية وتكرار الموجات. ضرب موقع إنتاج أو تجميع أو تخزين يمكن أن يؤثر في وتيرة العمليات أكثر من إسقاط عدد محدود من الطائرات بعد إطلاقها. ومع ذلك، تختلف النتيجة بحسب وظيفة المنشأة: مصنع مكونات، خط تجميع نهائي، مخزن، أم موقع إطلاق وصيانة.
لا يمكن تقييم الأثر من صور حريق أو انفجار فقط. يلزم تحديد المباني المصابة، المعدات الموجودة داخلها، قدرة الإنتاج البديلة، ومخزون القطع. المنشآت الصناعية يمكن أن تستعيد نشاطها أو توزع العمل على مواقع أصغر. لذلك يكون قياس انخفاض معدل الإطلاق خلال الأسابيع التالية مؤشراً أكثر فائدة من إعلان الضربة ذاته.
التحدي بين الدقة والمرونة
تشير الحرب إلى أن الطرفين يعتمدان شبكات موزعة. روسيا تحرك دفاعاتها ومحطات التشويش وتوسع إنتاج المسيّرات، بينما تستخدم أوكرانيا أنواعاً متعددة من الذخائر بعيدة المدى. في هذه البيئة، لا يضمن اكتشاف الهدف إصابته؛ إذ يجب الحفاظ على مسار بيانات سريع من المستشعر إلى مركز التحليل ثم إلى منصة الإطلاق.
تواجه الذخائر المهاجمة بدورها طبقات من الكشف الراداري والحرب الإلكترونية والمدافع والصواريخ. وقد تستخدم مسارات منخفضة أو توقيتات متعددة أو أهدافاً خداعية لإرباك الدفاع. نجاح موجة واحدة لا يثبت القدرة على تكرارها، لأن المدافع يستطيع تغيير توزيع الرادارات والترددات ومواقع القواذف.
ما الذي يمكن إثباته؟
المصدر الأولي للمعلومات هو الجانب الأوكراني، وهو طرف في النزاع. بعض الصور الجغرافية والتحليلات المتخصصة قد تؤكد موقع انفجار أو حريق، لكنها لا تثبت تلقائياً تدمير منظومة بعينها أو مستوى الضرر الداخلي. كما لم تصدر روسيا، وقت إعداد المادة، تفاصيل فنية مستقلة تسمح بالمقارنة.
لهذا يجب الفصل بين حقيقة الإعلان والتحقق من النتيجة. المؤكد أن قائمة الأهداف تجمع ثلاث وظائف: الدفاع الجوي، الحرب الإلكترونية، وإنتاج وسيلة هجوم بعيدة المدى. وإذا تأكدت الإصابات، فإن القيمة لا تكمن في خسارة المعدات فقط، بل في اضطرار روسيا إلى إعادة توزيع الحماية وتعويض مكونات متخصصة وربما خفض إيقاع الإطلاق مؤقتاً.
القراءة العسكرية الأهم هي أن المنافسة تدور حول الزمن: من يكتشف أولاً، ومن يحدّث الإحداثيات أسرع، ومن يختار المؤثر الأنسب قبل أن يتحرك الهدف أو تتغير شبكة الدفاع. هذه السلسلة، لا حجم الرأس الحربي وحده، ستحدد الأثر المتراكم للضربات بعيدة المدى.
المصادر: هيئة الأركان العامة الأوكرانية؛ Defense Express؛ معهد دراسة الحرب؛ بيانات صور الأقمار الصناعية المتاحة علناً.















عذراً التعليقات مغلقة