المظلة الأميركية في الخليج تتراجع: نحو أمن إقليمي متعدد الشركاء

تادي عواد1 أكتوبر 2026آخر تحديث :
سفن من دول شريكة خلال تمرين بحري متعدد الجنسيات في الخليج العربي

أعادت تطورات أيلول/سبتمبر 2026 طرح سؤال بنيوي حول أمن الخليج: هل ما زالت المظلة الأميركية قادرة وحدها على ردع الصواريخ والمسيّرات وحماية الممرات البحرية والبنية التحتية؟ تشير تحركات دبلوماسية وعسكرية متزامنة إلى أن دول المنطقة لا تتخلى عن الشراكة مع واشنطن، لكنها توسع خياراتها عبر ترتيبات مع تركيا وباكستان وحوارات أمنية تشمل إيران، في وقت يتراجع فيه الوجود الأميركي في بعض الساحات.

ما الذي تغيّر؟

بُنيت منظومة أمن الخليج لعقود على القواعد الأميركية والإنذار المبكر والدفاع الجوي والبحري، مع اتفاقات ثنائية منفصلة مع كل دولة. هذا النموذج وفر قوة ردع كبيرة، لكنه لم ينتج شبكة إقليمية كاملة تتبادل بيانات الرادار وتوزع الأهداف تلقائيًا. ومع توسع تهديدات الصواريخ الباليستية والمسيّرات وصواريخ كروز، أصبحت الثغرات بين الشبكات الوطنية عاملًا عملياتيًا مهمًا.

التغطية التي نشرتها رويترز في 30 أيلول تشير إلى شعور متزايد بأن الدعم الأميركي قد يكون انتقائيًا بحسب الأزمة. انسحاب أو تقليص قوات في العراق، وتردد في بعض الردود على هجمات الحوثيين، والضغط على مخزونات الذخائر كلها تدفع العواصم الخليجية إلى تقليل الاعتماد على طرف واحد.

الدفاع الجوي ليس صفقة منفردة

امتلاك Patriot أو THAAD أو مقاتلات متقدمة لا يساوي تلقائيًا دفاعًا إقليميًا. المطلوب ربط رادارات بعيدة المدى ومستشعرات فضائية وأنظمة قيادة وسيطرة، ثم بناء قواعد تحدد من يملك صلاحية الاشتباك مع هدف يعبر أكثر من مجال جوي. أي تأخير في تبادل المسار يمكن أن يضيع الدقائق القليلة المتاحة لاعتراض صاروخ أو مسيّرة.

كما يجب إدارة الذخائر وفق اقتصاد التهديد. استخدام صاروخ اعتراضي باهظ ضد كل مسيّرة منخفضة الكلفة غير قابل للاستدامة. الحل متعدد الطبقات يضم تشويشًا إلكترونيًا ومدافع موجهة وصواريخ قصيرة المدى، مع الاحتفاظ بالاعتراضات الأثقل للأهداف الباليستية أو عالية السرعة.

الشركاء الجدد وحدودهم

يمكن لتركيا تقديم مسيّرات وأنظمة دفاع جوي وخبرة صناعية، بينما تملك باكستان قوة عسكرية كبيرة وخبرة تشغيلية وعلاقة دفاعية طويلة مع السعودية. لكن تحويل التعاون إلى ضمانة جماعية يحتاج إلى قيادة مشتركة وتمويل وانتشار مسبق وقواعد اشتباك، وهي عناصر لا تظهر مكتملة في الإعلانات السياسية الحالية.

أما إدخال إيران في حوار أمني إقليمي فقد يخفض مخاطر سوء الحساب ويؤسس قنوات اتصال للملاحة والإنذار، لكنه لا يلغي التنافس حول الصواريخ والجماعات المسلحة والنفوذ الإقليمي. الحوار أداة إدارة مخاطر، وليس بديلًا فوريًا عن قدرات الردع.

البحر والطاقة

مضيق هرمز والبحر الأحمر يربطان الأمن العسكري بالاقتصاد العالمي. حماية الملاحة تتطلب دوريات مأهولة وغير مأهولة، مراقبة إلكترونية، كشف ألغام، ومراكز تنسيق للشحن التجاري. وفي البر، تحتاج منشآت النفط والغاز والمطارات إلى دفاع موزع وقدرة على استعادة التشغيل بعد الضربة، لأن منع كل إصابة قد لا يكون ممكنًا.

وتفرض الهجمات البعيدة حماية الاتصالات والطاقة داخل القواعد نفسها. إذا تعطلت شبكة الكهرباء المدنية أو الأقمار الصناعية التجارية، يجب أن تستطيع القواعد تشغيل الرادارات والقيادة من مصادر بديلة. لذلك يتوسع مفهوم الأمن من شراء السلاح إلى مرونة البنية التحتية وسلاسل الإمداد.

السيناريو الأرجح

الأرجح ليس خروجًا كاملاً من المظلة الأميركية، بل انتقالًا إلى شبكة متعددة الشركاء تحتفظ فيها واشنطن بالدور الأعلى في الاستطلاع والدفاع الصاروخي والقيادة، بينما تزيد الدول قدراتها المحلية وتضيف شركاء سياسيين وصناعيين. نجاح النموذج يقاس بمدى تبادل البيانات والقدرة على التدريب المشترك، لا بعدد الاتفاقات المعلنة.

 

المصادر

  • Reuters
  • CSIS
  • International Institute for Strategic Studies
  • U.S. Central Command
التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

الاخبار العاجلة