فجأة، برزت عشرات المنصات الإعلامية اللبنانية في حملة متزامنة ومركّزة ضد الحكومة اللبنانية، تهاجم قراراتها المتعلقة بزيادات مقترحة على الضرائب، وتدعو بصورة مباشرة إلى إسقاطها.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام غضب اجتماعي عفوي، أم أمام محاولة سياسية منظّمة لاستثمار الأزمة الاقتصادية وجرّ لبنان إلى المحرقة الإيرانية؟
قراءة المشهد الإقليمي واللبناني
خسرت إيران الكثير من أوراقها الإقليمية خلال السنوات الأخيرة، وها هي تستنزف ما تبقّى من حلفائها في اليمن والعراق ولبنان، في محرقة إقليمية للحفاظ على نظامها.
وداخليًا، وبعد الحرب الأخيرة، تعرّض حزب الله لضربة استراتيجية وعسكرية كبيرة، فيما تراجعت قدرته على فرض إيقاعه السياسي من خلال قوته العسكرية وحدها.
وفي هذا السياق، يصبح الشارع إحدى الأدوات المتبقية للضغط على الحكومة.
لكن مشكلة حزب الله وحلفائه أنهم لم يعودوا قادرين على تحريك الشارع كما في السابق. فبعد أن دعا الحزب إلى عدة مظاهرات احتجاجية ضد الحكومة، جاءت النتائج محدودة. كما أن الغضب داخل البيئة الشيعية نفسها، نتيجة تداعيات الحرب والدمار والتهجير والواقع الاقتصادي، يجعل استخدام الشارع الشيعي كسلاح سياسي أكثر تعقيدًا.
لذلك، قد تكون المعادلة الجديدة مختلفة: إذا تعذّر إسقاط الحكومة عبر الشارع الشيعي، فلماذا لا يتم إسقاطها من خلال الشارع الاقتصادي؟
الاقتصاد هو نقطة الضعف الأخطر
يعيش لبنان أصلًا فوق برميل اجتماعي قابل للاشتعال. وقد أدت إجراءات مالية اتخذتها الحكومة خلال عام 2026 إلى احتجاجات، من بينها فرض رسم إضافي على البنزين وزيادة ضريبة القيمة المضافة لتمويل زيادات في رواتب القطاع العام والعسكريين.
وهنا تكمن الخطورة. فأي قرار مالي غير مدروس يمكن تحويله خلال ساعات من إجراء اقتصادي إلى قضية شعبية وسياسية: ارتفاع في الأسعار، تراجع في القدرة الشرائية، تحميل الحكومة المسؤولية، ثم الانتقال إلى شعار أكبر: الحكومة فشلت ويجب إسقاطها.
من الاقتصاد إلى الإعلام
الأخطر ليس ارتفاع مستوى الانتقاد للحكومة بحد ذاته، فالانتقاد حق مشروع. الأخطر هو ظهور خطاب متشابه في عدد كبير من المنصات، وفي توقيت متقارب، ينتقل من انتقاد إجراء محدد إلى تصوير الحكومة كلها باعتبارها سبب الأزمة، ثم إلى المطالبة بإسقاطها.
وكان لافتًا كلام عضو كتلة الوفاء للمقاومة، النائب حسين الحاج حسن، حين قال إن الغضب الشعبي على الحكومة في الشارع قد اقترب، وأضاف: «لا يمكن للغضب أن يبقى مكبوتًا، ولن أقول أكثر من ذلك».
ومن هنا، يجب كبح جماح وزير المالية والوزراء في فرض الضرائب أو الترويج لها، حتى لا تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أداة لإنتاج أزمة سياسية.
فعلى الحكومة اللبنانية أن تدرك أن القرارات المالية ليست مجرد أرقام في الموازنة. فكل زيادة ضريبية، وكل رسم جديد، وكل قرار يمسّ القدرة الشرائية للبنانيين، يمكن أن يتحول إلى وقود سياسي.
وعليها، في المقابل، ألّا تمنح خصومها هذه الورقة مجانًا.
أما الأجهزة الأمنية والقضائية، فعليها أن تراقب أي تمويل أو تنسيق أو حملات منظّمة تهدف إلى زعزعة الاستقرار، وأن تفرّق بوضوح بين الاحتجاج الشعبي المشروع وبين التخريب السياسي المنظّم.
الخلاصة
قد لا تكون هناك، حتى الآن، وثيقة تقول إن طهران أصدرت أمرًا بإسقاط الحكومة اللبنانية.
غير أن وجود عشرات المواقع التي ظهرت فجأة لتصوّب سهامها بشكل متناسق في حملة لإسقاط الحكومة يطرح علامات استفهام جدية.
فهذا الأسلوب سبق أن شهدناه في مراحل سابقة، وكانت نتائجه حملات تحريض وفوضى، وأحيانًا اغتيالات سياسية.
وإسقاط الحكومة عبر الشارع، إذا حصل، سيكون أكثر فاعلية في إعادة إنتاج الفوضى وإعادة لبنان إلى المحرقة الإيرانية.















عذراً التعليقات مغلقة