كيف يسرق حزب الله أموال الشعب اللبناني

تادي عوادمنذ 3 دقائقآخر تحديث :
كيف يسرق حزب الله أموال الشعب اللبناني

القرار الذي لم يُناقَش

 

في الثامن والعشرين من أيار 2024، انعقدت جلسة هادئة لمجلس وزراء نجيب ميقاتي في السراي الحكومي. لم يتصدّر ما صدر عنها عناوين الصحف. لكنه كان واحداً من أعمق السطوات على المال العام في التاريخ اللبناني الحديث.

قرّر مجلس الوزراء في تلك الجلسة، بناءً على طلب مجلس الجنوب، تأمين اعتماد بقيمة 93 مليار و600 مليون ليرة لدفع المساعدات لذوي الشهداء والنازحين، نتيجة ما وُصف بـ”الاعتداءات الإسرائيلية” بعد 7 تشرين الأول 2023.

الترجمة العملية لهذا القرار: أموال الخزينة اللبنانية — أموال المعلم والطبيب والعامل والمقاعد — تُدفع تعويضاً لعائلات مقاتلين قاتلوا بأمر طهران، في حرب لم تُعلنها لبنان ولم تُفوَّض بها.

والمفارقة الدستورية الجوهرية التي طُمرت عمداً: لم تُسجَّل في محاضر جلسات مجلس الوزراء قبل 8 تشرين الأول 2023 أي قرار اتُّخذ بثلثَي أعضاء المجلس بشنّ حرب أو إسناد من الجنوب اللبناني، وهو ما ينصّ عليه الدستور صراحةً.

الحرب لم تُقرّها الدولة. لكن الدولة تدفع ثمنها.

 

أداة التمرير: مجلس الجنوب

 

مجلس الجنوب مؤسسة حكومية رسمية أُسِّست نظرياً للتنمية. لكنه بات منذ سنوات الوعاء المالي الأكثر غموضاً وانعداماً للمساءلة في البنية الإدارية اللبنانية، والأداة الأولى لحركة أمل لتوزيع الأموال على بيئتها.

عبره تُمرَّر التعويضات تحت مسمّيات إنسانية مُضلِّلة: “مساعدات للمتضررين”، “دعم لأهالي الجنوب” في حين أن المستفيد الفعلي هو عائلات المقاتلين المنتمين لحزب الله وأمل، لا المواطنون المدنيون الذين لا انتماء حزبياً لهم.

ومدى التداخل بين هذه المؤسسة الرسمية والجسم الحزبي لا يحتاج إلى كثير من التفسير: نظّم مكتب البلديات في حركة أمل وحزب الله لقاءً مباشراً مع رئيس مجلس الجنوب لترتيب ملفات العودة وتوزيع المساعدات. لا حواجز مؤسسية، لا فصل بين العام والحزبي.

 

وزير المال: من يخدم؟

 

في حكومة نواف سلام، التي جاءت على وعود الإصلاح وكسر الهيمنة الحزبية، وجد وزير المال ياسين جابر نفسه في مقعد الحقيبة الأهم. جابر يمثّل منطقة النبطية منذ 1992، وعلى الرغم من أنه يُعتبر مستقلاً رسمياً، إلا أنه مرتبط بكتلة التحرير والتنمية التي تقودها حركة أمل برئاسة نبيه بري.

وكان تصريحه مدوّياً في وضوحه: أعلن جابر أن الوزارة حوّلت 1500 مليار ليرة لمجلس الجنوب و200 مليار للهيئة العليا للإغاثة كدفعة أولى، لمعالجة الأبنية المتصدّعة وتأهيل البنى التحتية في الجنوب والضاحية الجنوبية.

كلمتا “دفعة أولى” هما الأكثر دلالةً: فهما تعنيان أن ما هو قادم أضخم.

 

لغة الابتزاز بالقدسية

 

وزير الزراعة المحسوب على حركة أمل عباس الحاج حسن قال في 6 حزيران 2024: “واجبٌ مقدّس على الحكومة التعويض على عوائل الشهداء وأهالي الجنوب، شاء من شاء وأبى من أبى.”

هذه الجملة تُلخّص آلية الابتزاز السياسي في ثوانٍ: الأمر الواقع مُغلَّفٌ بعباءة الدين والمقاومة، وكل من يعترض يُوصَم بمعادة الجنوب والطعن بدم الشهداء. هكذا يسقط النقاش العقلاني قبل أن يبدأ.

 

المفارقة الكاملة

 

بينما تتدفق المليارات نحو مجلس الجنوب وعائلات المقاتلين، كان الموظفون والجنود والمتقاعدون ينتظرون شيئاً مختلفاً تماماً.

أقرّ مجلس الوزراء مشروع موازنة 2026 دون أي تصحيح للرواتب في القطاع العام، بما يشمل العسكريين والمتقاعدين، رغم المطالبات المتكررة بإنصافهم.

وأكّد ذلك رسمياً: وزير الإعلام بول مرقص أعلن إثر الجلسة أنه تعذّر إقرار تصحيح للرواتب والأجور لجميع العاملين والمتقاعدين في القطاع العام ضمن موازنة العام 2026.

الجنود المنتشرون في الجنوب تنفيذاً للقرار 1701، يواجهون الانتهاكات الإسرائيلية يومياً، يتقاضون رواتب لا تكفي إعالة أسرة. المعلمون والأطباء وموظفو الدولة — في اللائحة ذاتها: لا شيء. وفي المقابل، مجلس الجنوب يستقبل 1500 مليار كـ”دفعة أولى”.

ولخّص النائب إبراهيم كنعان المشهد: الموازنة تُفرز “إجحافاً كبيراً في حق موظف القطاع العام نسبةً إلى تعويض الصرف الذي سيحصل عليه.”

 

موازنة التصويت الفاضح

 

صادق مجلس النواب على موازنة 2026 بأكثرية 59 صوتاً مقابل 34 صوتاً معارضاً، وأفادت المعلومات بأن نواب حزب الله وأمل وبعض الحلفاء صوّتوا لصالح الإقرار، في حين أن أبرز النواب الذين صوّتوا ضدها هم نواب حزب القوات اللبنانية.

أي أن من يستفيد من بنود الموازنة هو نفسه من صوّت لإقرارها. دائرة مغلقة، مكتملة، وقِحة في وضوحها.

 

نموذج متكرّر منذ 2006

 

هذه ليست المرة الأولى في التاريخ اللبناني. في حرب تموز 2006 التي أعلنها حزب الله من جانب واحد، وعد نصرالله الجمهور بـ”مال طاهر نقيّ شريف بلا شروط سياسية” من إيران لإعادة الإعمار.

جاء تعويض 2006 من خزينة الدولة، حيث أُضيف ما يعادل عشرة مليارات دولار على الدين العام، ومن جيوب المواطنين والدول الخليجية، في حين كانت مساهمة إيران لا تُذكر مقارنةً بما وُعد.

النمط ثابت عبر العقود: الحرب تُشعَل بشعارات المقاومة، ولبنان يحترق، والخزينة تدفع، وإيران تتفرّج.

 

حزب الله المُعَسِّر يُحَمِّل الفاتورةَ جيوبَ اللبنانيين

 

طالما وفّر حزب الله وظائف وخدمات اجتماعية لأعضائه، ويدفع لأقارب مقاتليه الذين يُقتلون. لكن الفاتورة المتصاعدة من حربه الأخيرة جعلت كثيراً من هذه المدفوعات مستحيلة، وجمّدت المؤسسة المالية الرئيسية للحزب “القرض الحسن” شيكات التعويضات.

هذا هو المنطق الداخلي للجريمة: حزب الله عاجز عن تمويل عائلات قتلاه كما اعتاد، فيُحوَّل العبء إلى الخزينة اللبنانية. الحزب يُشعل، والمواطن اللبناني يدفع.

 

الخلاصة — من يدفع ثمن الحروب المُعلَنة بغير إذن؟

 

المسألة ليست عاطفية ولا طائفية. هي مسألة دستور وقانون ومحاسبة.

لا يجوز دستورياً تعويض قتلى حرب لم تُعلنها الدولة. التعويض يفترض مسؤولية قانونية، والمسؤولية تستلزم قراراً سيادياً بالإجراءات المعتمدة. في غياب ذلك، فإن كل ليرة تصل إلى عائلات مقاتلي حزب الله وأمل عبر مجلس الجنوب هي ليرة مسروقة من الخزينة العامة، يتحمّل مسؤوليتها القانونية كل من صادق على هذه القرارات.

الموظف العام الذي يعمل خمسة أيام في الأسبوع لم يحصل على زيادة. والمقاتل الذي قاتل لأجل الولي الفقيه في طهران تُعوَّض عائلته من مالِ ذلك الموظف. هذه ليست سياسة خاطئة هذا نهب. وليدفع من أعلن الحروب ثمن الحروب.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

الاخبار العاجلة