المنصوري في مرمى إسرائيل: معركة على أسرار حزب الله البحرية

تادي عواد4 سبتمبر 2026آخر تحديث :
المنصوري في مرمى إسرائيل: معركة على أسرار حزب الله البحرية

بينما ينشغل الإعلام بمعركة تلة علي الطاهر وما تحمله من أهمية استراتيجية، تبدو المنصوري في القطاع الغربي من الجنوب اللبناني وكأنها تتحول تدريجياً إلى جبهة موازية، وربما أكثر حساسية مما يظهر في المشهد الإعلامي.

فخلال الأيام الأخيرة، تكررت الغارات والقصف المدفعي وعمليات تفجير المنازل والبنى التحتية في المنصوري ومحيطها. وفي 1 أيلول، أفادت تقارير عن ثلاث غارات إسرائيلية متتالية على البلدة، فيما تحدثت تقارير في 3 أيلول عن غارات جديدة وقصف مدفعي وعمليات تفجير بين المنصوري ومجدل زون. كما تحدثت تقارير عن تقدم آليات إسرائيلية وأعمال تجريف في أجزاء من البلدة.

هذه الاستمرارية تطرح سؤالاً أساسياً:

ماذا تريد إسرائيل أن تدمر أو تمنع من العودة إلى المنصوري؟

البعد البحري

المنصوري ليست بلدة داخلية. موقعها الساحلي يجعلها جزءاً من بيئة جغرافية مختلفة عن تلال الجنوب، ويمنح أي بنية عسكرية موجودة فيها بعداً بحرياً محتملاً.

وهنا تبرز للمرة الأولى بصورة جدية فرضية ارتباط ما يجري في المنصوري بالملف البحري السري لحزب الله.

ففي كانون الأول 2025، كشف الجيش الإسرائيلي عن معلومات قال إنها تتعلق بما سماه “الملف البحري السري لحزب الله”، وتحدث عن وجود وحدة صواريخ ساحلية تحمل الرقم 7900، وعن استخدام غطاء مدني لتطوير أنشطة بحرية. كما قال إن عماد أمهز كان أحد العناصر المركزية في هذا الملف.

وهذه المعلومات ليست دليلاً مستقلاً على وجود منشأة بحرية في المنصوري تحديداً، لكنها تجعل فرضية البحث في الساحل الجنوبي أكثر أهمية.

عماد أمهز… الحلقة التي لا يمكن تجاهلها

في تشرين الثاني 2024، نفذت قوة كوماندوس إسرائيلية عملية إنزال في البترون واختطفت القبطان اللبناني عماد أمهز.

في ذلك الوقت، نفت جهات لبنانية رواية إسرائيل حول دوره العسكري، وجرى تقديمه باعتباره ضابطاً بحرياً مدنياً. لكن إسرائيل عادت لاحقاً وقالت إنه كان من الشخصيات الأساسية في الملف البحري السري لحزب الله، وإنه كان مرتبطاً بوحدة الصواريخ الساحلية 7900.

والأهم أن إسرائيل تقول إن المعلومات التي حصلت عليها خلال التحقيق معه ساعدتها في كشف بنية هذا الملف وأهدافه.

لكن هنا يجب التوقف عند نقطة مهمة:

لا يوجد حتى الآن دليل مستقل ومعلن يثبت أن أمهز كشف تحديداً عن منشآت أو زوارق مسيّرة في المنصوري، أو أن المعلومات التي قدمها كانت السبب المباشر في العمليات الإسرائيلية الحالية هناك.

لذلك فإن الربط بين الأمرين يبقى فرضية استخبارية منطقية، وليس حقيقة مثبتة.

لماذا المنصوري الآن؟

هناك ثلاثة احتمالات رئيسية:

الأول: أن إسرائيل تستهدف بنية عسكرية لحزب الله في المنطقة، بصرف النظر عن طبيعتها البحرية.

الثاني: أن المنطقة تحتوي على بنية تحتية مرتبطة بالقدرات الساحلية والصواريخ المضادة للسفن أو الاستطلاع البحري، وهو احتمال يستحق البحث بسبب الموقع الجغرافي وبسبب كشف إسرائيل السابق عن الملف البحري.

الثالث: أن إسرائيل تعمل على منع إعادة بناء شبكة عسكرية تحت الأرض وفوق الأرض في القطاع الغربي، ضمن سياسة أوسع لتغيير البيئة العسكرية جنوب الليطاني.

واللافت أن العمليات لا تبدو مقتصرة على غارة جوية واحدة. هناك قصف، تجريف، تفجير مبانٍ وبنى تحتية، وتحركات برية. وهذا يوحي بأن الهدف قد يكون إزالة بنية ميدانية وليس فقط استهداف شخص أو سلاح محدد.

من صاروخ “حانيت” إلى الملف البحري السري

منذ حرب 2006، أصبح البعد البحري لحزب الله ملفاً شديد الحساسية.

الهجوم بالصاروخ المضاد للسفن على الفرقاطة الإسرائيلية INS Hanit أظهر أن الحزب قادر على تهديد أهداف بحرية إسرائيلية من الساحل.

لكن التطور الأخطر، إذا صحت المعلومات الإسرائيلية الأخيرة، هو انتقال التفكير من مجرد امتلاك صاروخ مضاد للسفن إلى بناء منظومة بحرية متكاملة تشمل عناصر استطلاع ومراقبة واتصال وقدرات ساحلية.

وهنا تصبح المنصوري ذات أهمية محتملة، ليس لأنها ثبت أنها “قاعدة بحرية”، وإنما لأنها تقع ضمن البيئة الساحلية التي يمكن أن تخدم مثل هذه المنظومة.

هل نحن أمام “تنظيف” للمنصوري؟

المصطلح قد يكون مبالغاً فيه إذا استخدم بمعنى عملية عسكرية معلنة للقضاء على وحدة بحرية.

لكن إذا نظرنا إلى نمط العمليات، يمكن القول إن إسرائيل تقوم بعملية استنزاف منهجي للبنية التحتية العسكرية المحتملة في المنطقة.

وهذا ينسجم مع ما شهدته المنصوري ومحيطها خلال الأسابيع الأخيرة من قصف متكرر وتجريف وتفجير منشآت ومنازل.

الخلاصة

قد تكون تلة علي الطاهر هي العنوان الأكثر حضوراً في الإعلام لأنها تمثل عقدة برية استراتيجية.

لكن المنصوري تمثل سؤالاً مختلفاً:

هل تعمل إسرائيل على إنهاء قدرة عسكرية ساحلية لحزب الله قبل أن يتمكن من إعادة بنائها؟

المعطيات المتوافرة لا تسمح بالقول إن المنصوري تضم حالياً قاعدة للذراع البحري لحزب الله، ولا تسمح بإثبات وجود زوارق انتحارية أو شبكة أنفاق بحرية فيها.

لكن هناك ثلاث حقائق تستحق الربط:

استهداف إسرائيلي متكرر للمنصوري، موقعها الساحلي، وكشف إسرائيل عن وجود ملف بحري سري ووحدة صواريخ ساحلية مرتبطة بحزب الله.

وهذا يجعل المنصوري واحدة من أكثر النقاط التي تستحق المتابعة في الجنوب.

فالسؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا يوجد في المنصوري؟

بل: ماذا تعرف إسرائيل عن المنصوري ولا نعرفه نحن بعد؟

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

الاخبار العاجلة