في مشهد لا يخلو من المفارقة السياسية، يخرج الثنائي الشيعي اليوم محذّرًا اللبنانيين من “الفتنة”، وكأنه كان، طوال العقود الماضية، حارسًا للسلم الأهلي، لا أحد أبرز مسبّبي الانقسامات والاصطفافات التي أنهكت الدولة والمجتمع.
إنّ المهزلة الحقيقية ليست في التحذير بحدّ ذاته، بل في صدوره عن قوى شكّل وجودها المهيمن في السلطة، منذ نهاية الحرب الأهلية، أحد أبرز أسباب تعميق الانقسام الوطني، وتعطيل قيام الدولة، وفرض منطق السلاح والقوة على الحياة السياسية اللبنانية.
يتباكى هذا الثنائي اليوم على الفتنة التي يدّعي الخوف منها، فيما يتجاهل أنّ اللبنانيين لم ينسوا سنوات طويلة من الاغتيالات السياسية والاعتداءات والتهويل على سائر المكوّنات اللبنانية. فأين كانت هذه التحذيرات عندما اجتاحت الميليشيات المسلحة العاصمة بيروت في السابع من أيار، وقتلت واعتدت على أبناء المدينة، وفرضت إرادتها بقوة السلاح؟ ألم يكن ذلك فتنة موصوفة بكل المعايير؟
وأين كانت دعوات الحكمة والتعقّل عندما جرت محاولة اجتياح منطقة عين الرمانة، في مشهد أعاد إلى ذاكرة اللبنانيين بعضًا من أكثر صفحات الحرب الأهلية سوادًا؟ ألم يكن اللعب على الحواف الطائفية والمذهبية آنذاك وصفةً جاهزة لإشعال الفتنة؟
وأين كان الحرص على الوحدة الوطنية عندما اتُّخذ قرار جرّ لبنان إلى حروب إقليمية تحت عنوانَي “إسناد غزة” و”إسناد إيران”، من دون العودة إلى الدولة أو أخذ رأي بقية اللبنانيين؟ وكيف يمكن لمن صادر قرار الحرب والسلم لعقود أن يتحدث اليوم عن حماية السلم الأهلي؟
إنّ الفتنة الحقيقية لا تكمن في الاختلاف السياسي أو في النقاش الديمقراطي، بل في وجود سلاح خارج إطار الدولة، وفي احتكار قرار الحرب والسلم، وفي فرض خيارات إقليمية على شعب متعدّد لا يمكن حكمه بمنطق الغلبة.
إنّ لبنان لا يحتاج إلى دروس في السلم الأهلي ممن مارسوا سياسة الأمر الواقع لعقود، بل يحتاج إلى دولة واحدة، وجيش واحد، وسلطة واحدة تحتكم إلى الدستور والقانون، لأنّ الدولة وحدها هي الضمانة الحقيقية لمنع الفتنة وحماية جميع اللبنانيين.















عذراً التعليقات مغلقة