صوفي شماس
مقابلة مع د. ميشال الشمّاعي بمناسبة صدور كتابه الجديد “الولايات المتّحدة اللبنانية المحايدة”
“الكاتب هو ضمير الشعب… بل يجب أن يكون وخز الضمير” أناييز نين (مؤلفة أميركية)
عندما وضع الباحث والكاتب والمحاضر في الفكر السياسي، د. ميشال الشمّاعي إنجازه السابع، لم يتردد للحظة في وضع الإصبع على جرح وطن لا يزال منذ نشأته ينزف بسبب تمخّض ثورات الآخرين على أرضه.
هل المشكلة هي الشعب؟ الحكام أم النظام؟
في كتابه “الولايات المتّحدة اللبنانية المحايدة” إشكاليات وحلول، يغوص د. ميشال الشمّاعي في عمق التاريخ والجغرافيا تقوده ثقافة الإيمان بالسلام وبما تعلّمه من الكتاب المقدّس: “طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يدعون.” (إنجيل متى 5:9)
يشرح د. الشمّاعي إشكالية حياد لبنان وأسباب تعذّر تحوله بشكله المركزي الفاشل إلى دولة محايدة: هل يمكن أن يكون خياراً استراتيجياً دائماً يمكن تثبيته على أسس القانون الدولي والشرعية الوطنية، أم أنه سيبقى حياداً ظرفياً، مرهوناً بموازين القوى الإقليمية والدولية؟ هنا، برأيه يكمن الفرق في الطرح بين لبنان المحايد أم لبنان الحيادي.
يتضمن الكتاب دراسة مقارنة في مفهوم الدولة المحايدة والدولة الحيادية في ضوء الطرح الكنسي والإطار الأممي وعودة اللاهوت السياسي حيث تناول الكاتب طرح البطريركية المارونية لحياد لبنان الإيجابي الذي كان حاضراً منذ العام 1943 كسياسة دفاعية وخارجية يتّبعها لبنان ليثبّت وجوده ويحافظ على استقراره ووحدته وهويته، وكيف أدى هذا الحياد، رغم جميع الحروب العربية، وخسارة جميع البلدان المتاخمة لإسرائيل أجزاء من أراضيها بينما نعم لبنان بالازدهار والبحبوحة.
يشرح الكاتب بإسهاب عن التغيير القادم. فبعد العوامل التي أدّت إلى سيطرة المحور الإيراني – من خلال حزب الله وسلاحه ونشره الفكر الإيديولوجي في بيئته – على الدولة العميقة بكل أشكالها وفروعها: من التعيينات بكل الفئات، إلى أصغر وظيفة في القطاع العام، فضلاً عن السيطرة على القرار الأمني وتقويضه لصالح الفكر البعثي الحاكم، لن يتمكن هذا المحور الذي لا يزال يراهن على قلب المعادلات الجيوستراتيجية من جديد بالتعطيل الذي يمارسه من خلال المجلس النيابي، ذلك لأن موجة التغيير هي موجة تسونامية حقيقية، وقد جرفت معها هذه الأسس التي أرساها هذا المحور طوال أربعة عقود.
بعدها، يفنّد الكاتب كيفية محاربة هذه الإيديولوجيا بمواجهة صدامية شاملة وليس بالمسايرة أو بالسكوت: “إن تفكيك هذه المنظومة الفكرية أصعب من نزع السلاح. فحزب الله لم يحتل الجنوب فقط بل احتل العقول، واستبدل الهوية الكيانية بعقيدة أيديولوجية قاتلة”. كما أن الكاتب يذكّر كيف نجح حزب القوات اللبنانية بتغيير النمطية الحزبية من القتالية إلى السياسية وتغيير السلوك الجماعي للمجموعة الحضارية التي ينبثق منها، فضلاً عن هذا الوهج التغييري الذي طالت إشعاعاته الإيجابية مختلف المجموعات الحضارية التي تكوّن الفسيفساء اللبنانية. فالتغيير تحقق في بلورة رأي عام جديد وهذا ما سيدفع بعد خوض عدة مراحل انتخابية إلى طرح جدّي للبدء بتطبيق اللامركزية الموسّعة من الإدارة إلى السياسة فالتنظيم. من هنا نرى أن للبروباغندا السياسية الحيّز الأكبر في إيصال الأفكار التي نعمل لأجلها، لكن تؤدي البروبغندا السلبية إلى ممارسة الاغتيال المعنوي من جهة وتشويه الحقائق حتى في أذهان تابعيه، ويحول المجتمع إلى مجتمع مطيع وخاضع وخانع.
وبما أنه يؤمن بأن المواجهة حتمية وبما أن زرع الخير ينمو والحصاد سيكون وفيراً رغم أن الفعلة قليلون، فالأهم وسط هذا الصراع هو نجاحنا في عدم الشعور بالكره والحقد تجاه الآخر، وليس فقط رفضه. إن واجبنا يحتّم علينا أن نحافظ على نور القضية التي نحن أبناءها، ولا نسمح له بأن ينطفىء. ولأننا أحرارفي الوجود، نحيا حرّيتنا، وشعلتنا منيرة تشعّ كتلك المنارة الإلهية، لتعكس النور الإلهي الذي نفخه الروح فينا في عليّة صهيون.
أما الحل فيراه الكاتب عبر تعزيز الحوار السياسي الحقيقي القائم على المساواة والعدالة في ديمقراطية توافقية ضمن إطار سياسي يبدأ من اللامركزية ولا ينتهي بالكونفدرالية للحفاظ على حقوق هذه الجماعات التاريخية. لكن لكي يحيا هذا النظام يجب أن تتواجد صيغة سياسية تحميه، وهذه الصيغة لا يمكن أن تكون سوى الحياد التوافقي الإيجابي.
إن لبنان أرض ثورات الأمل والتجدّد لا الإحباط واليأس. فأهميته لا تكمن في جغرافيته أو بتاريخه فقط، بل أن لبنان هو أهمية حضارية. فالأرض ثارت على نفسها ملايين السنين فولّدت هذه الجغرافية الطبيعية الفريدة التي جعلت لبنان “جبلاً قائماً على البحر.” وهذه الجغرافية كوّنت للبنان حدوداً طبيعية من نهر وسلسلة جبال وخط متعرّج جعل منه دولة محايدة طبيعية.
يشير الكاتب إلى أن هذا الكتاب يأتي استكمالاً لكتاب الكيانية اللبنانية. حيث تتألف الدولة من فكرة المثلث. القمة الأولى هي الفلسفة السياسية التي تكوّن على أساسها هذا الوطن والتي تمّ وضعها في مؤلف “الكيانية اللبنانية” في العام 2024 . يلي الطرفان الباقيان أي القمة في الأسفل والقمة على الجانب الأيمن هما الصيغة والنظام. الصيغة هي الحيادية والنظام هو النظام الاتحادي الفدرالي.
ويختم الكاتب بأن هذا الكتاب هو مشروع جديد للبحث بعد الانتهاء من كل ما يضغط على موضوع سيادة الدولة اللبنانية أولاً. ثانياً، هي صيغة لمحاكاة النموذج اللبناني الكياني المؤلف من عدة مجموعات حضارية بهدف أن تعيش مع بعضها البعض في بلد إطاري 10452 كلم مربع، بغض النظر عن الاختلافات الموجودة بصيغة حيادية اتحادية في نظام فدرالي، وما طرحه الكاتب أبعد من ذلك بكثير. ففي حال عدم قبول النظام الفدرالي، فلتكن فدرالية من أربعة مكونات. وفي حال تمّ رفض هذه الأفكار كلها، لماذا لا يكون الطلاق الإيجابي. ففي نهاية المطاف لا يمكن الاستمرار في حالة نزاع سرمدي في وطن غير قابل للحياة.
جوهرة جديدة يضيفها د. ميشال الشمّاعي إلى إبداعاته الثمينة.
كتاب أنجزه هذا الكاتب الجنوبي الملتزم يصلح لأن يكون دستوراً يُبنى عليه لبنان الجديد. فهل من يسمع؟ أوهل من يقرأ؟
سيوقع د. ميشال الشمّاعي كتابه “الولايات المتّحدة اللبنانية المحايدة إشكاليات وحلول” – برعاية رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع – في معرض بيروت الدولي للكتاب – البيال، الساعة الخامسة مساءً.
كما وستعقد ندوة تقدمها وتديرها الإعلامية كارلا قهوجي.
برنامج الندوة:
النشيد الوطني اللبناني تليه كلمة الافتتاح والترحيب لعريفة الحفل
كلمة مؤسسة ألف باء للنشر: د. علي خليفة
قراءة نقدية في مضمون الكتاب: النائب السابق د. مصطفى علّوش
كلمة ممثل رئيس حزب القوات اللبنانية: عضو تكتّل الجمهورية القوية النائب جورج عقيص
كلمة المؤلف د. ميشال الشمّاعي.















عذراً التعليقات مغلقة