بعد اليونيفيل… من يمسك أمن جنوب لبنان؟

تادي عواد2 سبتمبر 2026آخر تحديث :
بعد اليونيفيل… من يمسك أمن جنوب لبنان؟

مع اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» في 31 كانون الأول 2026، يدخل جنوب لبنان مرحلة أمنية جديدة قد تكون الأكثر حساسية منذ صدور القرار 1701 عام 2006.

فمجلس الأمن قرر أن يكون تمديد ولاية اليونيفيل في عام 2025 هو التمديد الأخير، على أن تبدأ عملية انسحاب منظمة وآمنة بعد انتهاء الولاية، وتستكمل خلال عام. لذلك، فإن الحديث عن «رحيل اليونيفيل في نهاية 2026» يحتاج إلى بعض الدقة: الولاية تنتهي في 31 كانون الأول، أما الانسحاب الفعلي فيتم تدريجيًا خلال 2027.

لكن السؤال الأخطر ليس متى ترحل اليونيفيل، بل: من سيملأ الدور الذي ستتركه؟

 

أوروبا تتحرك قبل انتهاء المهلة

 

أحدث التطورات تشير إلى أن الأوروبيين بدأوا يتحركون لمنع نشوء فراغ أمني.

وكشفت «رويترز» في الأول من أيلول أن أكثر من عشر دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي أبدت استعدادها لتقديم أفراد وموارد لمهمة جديدة في لبنان، هدفها تقديم المشورة والتدريب للقوات المسلحة اللبنانية وتعزيز قدراتها.

ووفق التصور الأوروبي الحالي، يمكن أن تبدأ المهمة في منتصف تشرين الأول 2026، على أن يبدأ نشر العناصر في أواخر 2026 أو مطلع 2027.

لكن المفارقة المهمة هي أن الاتحاد الأوروبي لا يقدم هذه المهمة رسميًا على أنها «يونيفيل جديدة». الهدف المعلن هو تقوية الدولة والجيش اللبناني بحيث يصبحان قادرين على تحمل المسؤولية الأمنية بأنفسهما.

وهذا يعني أن النموذج المقبل قد يكون مختلفًا جذريًا:

الجيش اللبناني في الواجهة، والقوى الأوروبية خلفه بالتدريب والتجهيز والاستشارة.

 

ألمانيا: لا تتركوا الجنوب أمام الفراغ

 

كانت ألمانيا من أوضح الدول التي حذرت من الفراغ الأمني.

وزير الخارجية الألماني يوهان فادفول طرح في تموز فكرة دراسة إنشاء قوة ذات تفويض أوروبي لمنع حصول فراغ بعد انتهاء اليونيفيل.

وهنا يظهر خلاف داخل أوروبا نفسها.

فبينما توجد أصوات تريد قوة أوروبية قادرة على الانتشار ميدانيًا، يميل الاتجاه الأوروبي الرسمي الحالي إلى مهمة أصغر تركز على دعم الجيش اللبناني، لا إلى استنساخ اليونيفيل.

وهذا الفارق ليس تقنيًا فقط، بل سياسي وعسكري.

 

فرنسا وإيطاليا تدفعان نحو ائتلاف دولي

 

في المقابل، تتحرك فرنسا وإيطاليا باتجاه صيغة أوسع.

وقد رحب الرئيس اللبناني جوزاف عون بالجهود الفرنسية والإيطالية لتشكيل ائتلاف متعدد الجنسيات يمكن أن يتولى دورًا بعد اليونيفيل.

كما طرحت فرنسا فكرة قوة دولية ومؤتمرًا دوليًا لدعم لبنان والجيش اللبناني.

وهنا يمكن أن يتشكل نموذج ثالث:

ليس قوة أممية، وليس مهمة أوروبية محدودة، بل ائتلاف دولي متعدد الجنسيات.

 

الأمم المتحدة لديها خياراتها الخاصة

 

الأمم المتحدة بدورها لا تبدو مستعدة بالضرورة للخروج الكامل من المشهد.

فالأمين العام أنطونيو غوتيريش قدم إلى مجلس الأمن في حزيران 2026 ثلاثة خيارات لوجود أممي مستقبلي في لبنان.

أحد الخيارات يتضمن قوة مراقبة غير مسلحة قوامها نحو 350 مراقبًا، مع عناصر مسلحة لتوفير الحماية والدعم، بينما تتضمن الخيارات الأخرى صيغًا مختلفة من حيث الحجم والمهام.

أي أن الأمم المتحدة تبحث في الانتقال من نموذج:

قوة عسكرية كبيرة للسلام وحفظ الاستقرار

إلى نموذج:

مراقبة دولية محدودة + دعم الجيش اللبناني.

 

وماذا عن UNTSO؟

 

أحد السيناريوهات المطروحة هو الاستعانة بهيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة «UNTSO»، وهي قوة موجودة أصلًا في المنطقة.

لكنها لا تستطيع أن تكون بديلًا مطابقًا لليونيفيل؛ فهي أصغر بكثير ومهمتها الأساسية المراقبة والوساطة، وليس الانتشار العسكري الواسع.

ولهذا فإن استخدامها، إذا حصل، سيكون على الأرجح جزءًا من منظومة أكبر وليس بديلًا كاملًا لليونيفيل.

 

تركيا تريد أيضًا مكانًا في المعادلة

 

اللافت أن المسألة لم تعد أوروبية فقط.

تركيا أبدت استعدادها للمشاركة في المبادرات الأمنية التي ستنشأ بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، ما يفتح الباب أمام صيغة متعددة الجنسيات تضم دولًا أوروبية إلى جانب تركيا ودول أخرى.

وهذا قد يعطي القوة المقبلة طابعًا دوليًا أوسع، بدل أن تكون مشروعًا أوروبيًا صرفًا.

 

الملف الأكثر حساسية: سلاح حزب الله

 

لكن كل هذه الخطط تصطدم بسؤال واحد:

هل ستكون القوة الجديدة مجرد قوة مراقبة، أم ستكون لها علاقة مباشرة بملف سلاح حزب الله؟

هنا تكمن العقدة الأساسية.

فالمقاربة الغربية والأوروبية الجديدة تربط تقوية الجيش اللبناني بقدرته على بسط سلطة الدولة واحتكار السلاح.

وفي هذا السياق، كشف تقرير لرويترز في آب أن بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا كانت من الدول التي نوقشت مشاركتها في آلية دولية محتملة للتحقق من تنفيذ عملية نزع سلاح حزب الله.

وهذا تطور بالغ الأهمية، لأنه يعني أن النقاش لم يعد محصورًا في «من يحرس الخط الأزرق؟»، بل أصبح مرتبطًا بالسؤال الأكبر:

من يضمن أن تكون الدولة اللبنانية صاحبة القرار العسكري الوحيد؟

 

إسرائيل تريد ضمانات مختلفة

 

من جهة أخرى، لا تنظر إسرائيل إلى مرحلة ما بعد اليونيفيل بالطريقة نفسها التي تنظر إليها بيروت.

إسرائيل تريد ضمانات أمنية ملموسة لمنع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله بالقرب من حدودها، بينما يصر لبنان على استعادة سيادته وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.

وهنا يمكن أن يصبح أي انتشار دولي جديد جزءًا من صفقة أمنية أوسع بين لبنان وإسرائيل، وليس مجرد مهمة حفظ سلام.

صحيفة «The National» أشارت إلى أن مستقبل الوجود الدولي يرتبط بدرجة كبيرة بما إذا كانت المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية ستنتج إطارًا أمنيًا جديدًا قبل انتهاء مهمة اليونيفيل.

 

السيناريو الأكثر ترجيحًا

 

من خلال جمع التطورات الدولية الأخيرة، يبدو أن السيناريو الأكثر واقعية ليس إنشاء «يونيفيل 2».

الأرجح هو بناء منظومة أمنية متعددة الطبقات:

1 ـ الجيش اللبناني:

القوة الرئيسية والمسؤولة عن الأمن والسيادة على الأرض.

2 ـ مهمة أوروبية:

تدريب وتجهيز وتقديم المشورة للجيش والقوى الأمنية.

3 ـ مراقبون دوليون:

لمراقبة وقف إطلاق النار والخط الأزرق ومنع الاحتكاك.

4 ـ آلية دولية للتحقق:

لمتابعة تنفيذ الالتزامات الأمنية، بما فيها موضوع السلاح.

5 ـ دعم سياسي ودبلوماسي دولي:

لضمان تنفيذ الاتفاقات بين لبنان وإسرائيل.

وهذا النموذج، إذا نجح، سيعني نهاية مرحلة استمرت عقودًا كان فيها الجنوب يعتمد على وجود دولي عسكري كبير.

 

الخطر الأكبر: الفراغ

 

لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن تنتهي اليونيفيل قبل اكتمال البديل.

مركز Stimson حذر من أن عملية الانسحاب يمكن أن تؤدي إلى فراغ أمني إذا لم تكن الآلية الجديدة جاهزة في الوقت المناسب.

كما أن منظمة Human Rights Watch دعت إلى استمرار وجود قوة دولية في الجنوب لحماية المدنيين وردع التصعيد، ما يعكس استمرار المخاوف من مرحلة ما بعد اليونيفيل.

وبالتالي، فإن أسوأ السيناريوهات هو:

انسحاب اليونيفيل → تأخر القوة البديلة → فراغ أمني → عودة التصعيد.

أما أفضل السيناريوهات فهو:

انسحاب منظم → انتشار الجيش اللبناني → دعم أوروبي ودولي → آلية مراقبة فعالة → استعادة الدولة سيطرتها الكاملة.

 

الجنوب أمام لحظة تاريخية

 

المسألة إذًا ليست مجرد تبديل جنود بجنود.

إنها محاولة لإعادة تعريف النظام الأمني في جنوب لبنان.

فإذا نجحت الدول الغربية والأوروبية في بناء منظومة يكون فيها الجيش اللبناني هو القوة الأساسية، والقوى الدولية عامل دعم ومراقبة، فقد يتحول انتهاء اليونيفيل من خطر إلى فرصة لإعادة تكريس سيادة الدولة.

أما إذا فشلت المفاوضات حول السلاح والحدود والانسحاب الإسرائيلي، ولم يكن الجيش اللبناني قادرًا على سد الفراغ، فقد يصبح رحيل اليونيفيل بداية مرحلة أكثر اضطرابًا.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد اليونيفيل ليس: من سيحل محلها؟

بل: هل أصبح لبنان مستعدًا أخيرًا لأن يتولى جيشه وحده مسؤولية أمن الجنوب، أم أن المجتمع الدولي سيضطر إلى اختراع صيغة جديدة لحماية الجنوب من الانفجار؟

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

الاخبار العاجلة