العهر العوني في ملف الكهرباء.. يلي استحوا ماتوا

تادي عوادمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
العهر العوني في ملف الكهرباء.. يلي استحوا ماتوا

في ملف الكهرباء، يبدو أن بعض المسؤولين والوزراء السابقين في «التيار الوطني الحر» قرروا أن يفتحوا معركة جديدة: مهاجمة وزير الطاقة الحالي جو الصدّي، وكأن اللبنانيين نسوا من أمسك بوزارة الطاقة لسنوات طويلة، ومن ورث قطاعاً كهربائياً كان يفترض أن يكون قد خرج من أزمته منذ أكثر من عقد.

 

المشكلة ليست في انتقاد الوزير الحالي؛ فمن حق أي مواطن أو سياسي أن يسأل عن الإنتاج والتغذية والكلفة والإصلاحات. المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد إلى محاولة لإعادة كتابة تاريخ الكهرباء في لبنان، وكأن الانهيار بدأ يوم دخل الوزير الحالي إلى الوزارة.

والأرقام الرسمية والدولية تقول شيئاً مختلفاً تماماً.

 

15 عاماً من الخطط والوعود… والنتيجة كهرباء مأزومة

 

على مدى سنوات طويلة، كان ملف الطاقة في صلب مسؤولية وزراء محسوبين على «التيار الوطني الحر»، ولا سيما خلال الفترة التي امتدت من 2009 وصولاً إلى السنوات الأخيرة، مع تعاقب باسيل وأبي خليل والبستاني، ثم وزراء آخرين خلال مرحلة الانهيار.

ومع ذلك، بقيت المشكلة الأساسية بلا حل: لا معامل إنتاج كافية، ولا شبكة مستقرة، ولا جباية فعّالة، ولا هيئة ناظمة مستقلة تعمل فعلياً، ولا استدامة مالية لمؤسسة كهرباء لبنان.

والأكثر إثارة للسخرية أن وزارة الطاقة نفسها أقرت في وثيقة رسمية أن عجز مؤسسة كهرباء لبنان بلغ 1.8 مليار دولار عام 2018، وأن الدين التراكمي المرتبط بالقطاع وصل إلى نحو 30 مليار دولار. كما أرجعت الوثيقة جزءاً من المشكلة إلى انخفاض التعرفة عن كلفة الإنتاج، وتقادم معامل الإنتاج، والخسائر التقنية وغير التقنية.

أي أن الأزمة لم تكن اختراعاً للوزير الحالي، بل كانت موثقة رسمياً قبل وصوله بسنوات.

 

40% من الكهرباء كانت تضيع!

 

الأرقام تصبح أكثر قسوة عندما نصل إلى ملف الهدر.

وفق وثائق البنك الدولي، بلغت خسائر شبكة مؤسسة كهرباء لبنان نحو 40% في عام 2023؛ منها نحو 25% خسائر تجارية وغير تقنية مرتبطة بصورة أساسية بالسرقة والتعديات وعدم دفع الفواتير، إضافة إلى خسائر تقنية في شبكات النقل والتوزيع.

أما خطة استرداد الكلفة التي أعدتها مؤسسة كهرباء لبنان فتضع هدفاً لخفض إجمالي الخسائر من 40.2% في 2023 إلى 24.7% في 2026 في السيناريو الطموح، وصولاً إلى 20.7% في 2028.

 

فإذا كان هناك من يريد محاسبة وزير الطاقة الحالي، فليبدأ بالسؤال:

 

لماذا بقيت خسائر الشبكة لعقود عند مستويات كارثية؟ ومن كان مسؤولاً عن الوزارة عندما كان اللبناني يدفع فاتورتين: واحدة للدولة وأخرى للمولد؟

 

الدولة كانت تدفع… والمواطن كان يدفع مرتين

 

البنك الدولي يوضح أن تحويلات الدولة إلى مؤسسة كهرباء لبنان، بما فيها السلف للخزينة، بلغ متوسطها 3.8% من الناتج المحلي سنوياً بين 2010 و2020.

وهذه ليست أرقاماً صغيرة.

إنها أموال كان يمكن أن تذهب إلى المدارس والمستشفيات والبنى التحتية والطرق والمياه، لكنها استُنزفت في قطاع لم يتمكن طوال سنوات طويلة من تأمين كهرباء مستقرة.

وفي عام 2021، كان الطلب على الكهرباء في لبنان يقارب 24 ألف غيغاواط/ساعة، بينما لم يتجاوز إنتاج الشبكة نحو 14 ألف غيغاواط/ساعة. وقبل الأزمة كان اللبناني يحصل على نحو عشر ساعات من كهرباء الدولة يومياً، ثم انهارت التغذية إلى ساعة أو ساعتين في 2022 خلال عهد التيار العوني.

هذه هي الحقيقة التي لا تستطيع حملات «الذباب الإلكتروني» تغييرها.

 

أين المعامل التي وُعد بها اللبنانيون؟

 

في عام 2019، طرحت وزارة الطاقة نفسها خطة تتحدث عن زيادة الإنتاج، وخفض الهدر، وتحسين الجباية، واستخدام الغاز الطبيعي، وإنشاء معامل جديدة.

بل إن الخطة الرسمية تحدثت عن إضافة 1,450 ميغاواط من معامل مؤقتة بين 2020 و2023، بالتوازي مع معامل دائمة في سلعاتا والزهراني والحريشة.

لكن اللبناني لم يحصل على كهرباء 24/24.

ولم تتحول الوعود إلى شبكة حديثة قادرة على تلبية الطلب.

وبقيت الدولة تعتمد على الفيول والديزل، فيما تحولت المولدات الخاصة إلى قطاع كهربائي موازٍ.

وهنا تحديداً يجب أن يكون السؤال السياسي واضحاً:

إذا كانت الخطط موجودة، والوزارة كانت بيدكم، والوقت كان متاحاً، فلماذا بقي اللبناني حتى اليوم يبحث عن ساعة كهرباء إضافية؟

 

المشكلة ليست في الوزير الحالي

 

ولكي نكون منصفين، فإن تحميل الوزير الحالي  مسؤولية عقود من الانهيار سيكون ظلماً.

جو الصدّي تسلم وزارة الطاقة في شباط 2025، أي بعد أن كان القطاع قد وصل أصلاً إلى مرحلة الانهيار المالي والتقني.

لكن الفرق الأساسي أن الوزير الحالي يطرح مساراً يقوم على الإصلاح المؤسسي، تفعيل القانون 462، إنشاء الهيئة الناظمة، خفض الهدر، مكافحة التعديات، تطوير الشبكة، والتحول من الفيول إلى الغاز والطاقة المتجددة.

وفي مقابلة عام 2025، أشار الصدّي إلى أن مؤسسة كهرباء لبنان كانت تحصل فعلياً على نحو 60% فقط من الإيرادات المتوقعة، مع خسائر كبيرة مرتبطة بالتعديات والسرقات، كما طرح إنشاء معامل غازية جديدة، بينها مشروع بقدرة 800 ميغاواط وفق نموذج BOT.

وفي المقابل، أقر مجلس الوزراء في تموز 2026 تحديثاً لخطة إصلاح قطاع الكهرباء، فيما تتضمن خطة استرداد الكلفة أهدافاً واضحة لخفض الخسائر وتحسين الاستدامة المالية.

 

المطلوب ليس الدفاع عن الصدّي… بل الدفاع عن الحقيقة

 

يمكن انتقاد جو الصدّي إذا أخطأ.

ويمكن محاسبته إذا فشل.

ويمكن سؤاله عن كل دولار يُصرف وكل ميغاواط لا يصل إلى المواطن.

لكن لا يمكن أن تتحوّل المحاسبة إلى عملية غسلٍ سياسي لتاريخ فساد التيار العوني في قطاع الكهرباء.

من يريد فتح ملف الكهرباء فليفتحه كاملاً:

كم دفعت الخزينة؟

كم بلغ عجز مؤسسة كهرباء لبنان؟

كم بلغت الخسائر؟

كم كانت نسبة الهدر؟

ماذا حصل في ملف المعامل؟

ماذا حصل في ملف الغاز؟

لماذا بقيت الهيئة الناظمة معطلة كل هذه السنوات؟

ولماذا بقي المواطن يدفع للدولة وللمولد في الوقت نفسه؟

هذه هي الأسئلة الحقيقية.

 

أما أن يستيقظ بعض المسؤولين السابقين صباحاً ليقدموا أنفسهم كأنهم اكتشفوا فجأة مشكلة الكهرباء بعد خروجهم من الوزارة، ثم يحمّلوا الوزير الحالي مسؤولية إرث امتد لأكثر من عقد، فهذه ليست معارضة سياسية.

هذه محاولة للهروب من المرآة.

فالكهرباء لا تُقاس بالبيانات ولا بالتغريدات ولا بجيوش الحسابات الوهمية.

الكهرباء تُقاس بـ الميغاواط، وساعات التغذية، ونسبة الهدر، وكلفة الكيلوواط، وحجم العجز، وحجم التحويلات من الخزينة.

والأرقام، في هذا الملف تحديداً، لا تجامل أحداً.

فمن يريد محاسبة جو الصدّي، فليحاسبه بالأرقام.

  1. لكن قبل ذلك، فليجب أصحاب الـ15 سنة في وزارة الطاقة عن أرقامهم هم.

لأن اللبناني الذي عاش سنوات العتمة لا يحتاج إلى «مكتب كذب» جديد. يحتاج إلى كهرباء.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

الاخبار العاجلة