لبنان

تعثّر المبادرة الفرنسية لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل: قراءة في الأسباب والتداعيات

بقلم تادي عواد

أدّت فرنسا مع الولايات المتحدة دوراً وسيطاً في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار عام 2024، الذي وضع حداً للمواجهة السابقة بين إسرائيل وحزب الله . غير أن المشهد تبدّل جذرياً مع اندلاع جولة جديدة من القتال، إذ باتت الدبلوماسية الفرنسية تواجه طريقاً مسدوداً. فما الأسباب التي أوقفت المبادرة الفرنسية الجديدة قبل أن تُكتب لها نجاحات ملموسة؟

أولاً: مضمون المبادرة وطموحاتها

حاولت فرنسا تقديم مسار سياسي بديل للتصعيد، وبدأت مبادرة طموحة تهدف إلى وقف التدهور في بيروت، وتحقيق وقف إطلاق النار مع إسرائيل، ولاحقاً فتح الباب لترتيب أوسع بكثير. وكان أبرز بنودها يتمحور حول نزع سلاح حزب الله، ودخول الجيش اللبناني إلى الضاحية الجنوبية، فضلاً عن دفع لبنان نحو مفاوضات سلام مباشرة مع إسرائيل. حظيت هذه الخطوة بدعم من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أصدر بياناً غير معتاد بعد سلسلة من المحادثات مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

ثانياً: الأسباب التي أوقفت المبادرة

١. الرفض الإسرائيلي المضمر والاستراتيجية التصعيدية

إسرائيل لا ترفض رسمياً الوساطة الفرنسية، لكن الرسالة التي تظهر من المستويات السياسية والأمنية هي أن الاتجاه الحالي هو التصعيد وليس السلام. وهذا الرفض الضمني أعمق دلالةً من الرفض الصريح؛ إذ يتيح لإسرائيل الحفاظ على علاقاتها مع باريس في الشكل، بينما تُفرغ المبادرة من مضمونها في الواقع.

الانطباع السائد في باريس أن إسرائيل تريد توجيه المزيد من الضربات إلى حزب الله وقطع علاقته بشكل أكبر مع بقية اللبنانيين، على أمل أن تكون الأوضاع بعد هذه الحرب أكثر ملاءمة مما كانت عليه من قبل، على أن يصبح حزب الله أكثر ضعفاً ويتعرض للمزيد من الضغط لفتح الطريق لنزع سلاحه نهائياً.

٢. الموقف الأمريكي: اشتراطات صارمة تُجهض الوساطة

كان للتصلب الأمريكي دور محوري في إغراق المبادرة. تقاطعت المعلومات عند تعثر المبادرة الفرنسية ووصول الموقف الأمريكي إلى مستوى غير مسبوق من التصعيد تجاه بيروت، حيث وصل تحذير حاسم مفاده أن “واشنطن لا يعنيها استقرار لبنان، وأن الأولوية هي لنزع سلاح حزب الله”.  وهكذا وجدت فرنسا نفسها في موقف الوسيط الذي يحمل مقترحاً أمريكياً-إسرائيلياً، لا مقترحاً متوازناً.

٣. رفض حزب الله القاطع

رفض محمود قماطي، نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، المقترح الفرنسي، معتبراً إياه “ساقطاً قبل أن يبدأ”، مؤكداً أن المقاومة لن تقبل بأي صيغة تتضمن نزع سلاحها أو تطبيع العلاقات مع إسرائيل.  وقد وصف المبادرة بأنها “ميتة قبل أن تولد”، وهو توصيف يعكس مدى البُعد بين الأطراف.

٤. التوقيت السيئ وغياب المصداقية

رأى الخبير الجيوسياسي العميد يعرب صخر أن “توقيت المبادرة كان أحد أبرز أسباب فشلها”، إذ “لو طُرحت في مرحلة سابقة، لربما حظيت بقدر من الدعم الدولي والحماسة السياسية، أما إطلاقها بعد اندلاع الحرب، وفي ظل عجز السلطة اللبنانية عن كبح جماح الحزب أو تنفيذ التزاماتها السابقة، فقد أفقدها الكثير من صدقيتها”.

٥. ضعف الدور الفرنسي في غياب أوراق ضغط حقيقية

وجد مصدر دبلوماسي غربي أن فرنسا فضّلت اعتماد موقف تصالحي، مكتفيةً بالكلام الجميل من دون المطالبة بإجراءات ملموسة كان يمكن أن تحول دون تدهور الوضع. فباريس لا تمتلك الأوراق الكافية لإلزام أي طرف بشيء: فهي ليست واشنطن التي تملك النفوذ على إسرائيل، وليست طهران التي تملك التأثير على حزب الله.

٦. شرط التطبيع: مطلب يتجاوز الممكن

أبرز بند في المبادرة هو التزام لبنان بالدخول في عملية دبلوماسية ستشمل الاعتراف بإسرائيل لأول مرة، أو على الأقل بياناً سياسياً يضع الأسس لمثل هذه الخطوة. هذا الشرط، رغم أهميته الاستراتيجية من المنظور الإسرائيلي، يمثّل في الواقع اللبناني خطوة أبعد ما تكون عن الإمكان في ظل المشهد الراهن.

الخلاصة

تعثّر المبادرة الفرنسية ليس حدثاً عرضياً، بل هو نتاج تشابك ثلاثة مسارات متقاطعة: أولاً، إسرائيل التي ترى أن التصعيد العسكري يخدمها أكثر مما يخدمها أي تسوية تُبقي على قدرات حزب الله؛ ثانياً، حزب الله الذي يرفض أي مسار يُفضي إلى نزع سلاحه وهو يعتبره ضمانته الوجودية؛ وثالثاً، الولايات المتحدة التي لا تعطي أولوية لاستقرار لبنان كدولة، بل تضع نزع سلاح حزب الله هدفاً لا تفاوض عليه. وبين هذه الأطراف الثلاثة، وجدت فرنسا نفسها وسيطاً بلا أسنان، يحمل مقترحاً يرفضه الجميع بدرجات متفاوتة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى