بعد أن استبشر اللبنانيون خيرًا بالحكومة الجديدة، وبعد مرور أكثر من سنة على تولّي العهد الجديد، برئاسة العماد جوزيف عون، السلطة، ومع سيل الوعود بمحاربة الفساد وإعادة بناء الدولة، وصل كثير من الناس إلى قناعة مريرة مفادها أن العهد الحالي يسير على خطى العهود السابقة، وأن “الدولة العميقة” ومافيات الفساد ما زالت تتحكم بمفاصل لبنان، فيما الحكومة وقراراتها ليست سوى واجهة شكلية لا تغيّر شيئًا في الواقع.
في الشمال، ترتفع الصرخات يومًا بعد يوم حول ما يجري داخل قصر العدل في طرابلس، حيث تختفي شكاوى المواطنين، فبسحر ساحر تُدفن الملفات، وتُعطَّل المراجعات، وتضيع حقوق الناس بين دهاليز النفوذ والواسطة. بات المواطن يشعر أنه وحيد في مواجهة منظومة تحمي نفسها بنفسها، وتتعامل مع القانون وكأنه يُطبَّق على الضعفاء فقط.
المشكلة لم تعد في وجود الفساد فحسب، بل في تحوّله إلى أمر طبيعي داخل مؤسسات يُفترض أن تكون عنوانًا للعدالة والشفافية. وعندما يفقد المواطن ثقته بالقضاء، فهو عمليًا يفقد ثقته بالدولة بأكملها.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، ولا إلى حملات تلميع إعلامية. الناس تريد أفعالًا حقيقية: محاسبة جدية، وقضاءً مستقلًا، وقرارات تُطبَّق على الجميع بلا استثناء. أما الاستمرار بسياسة الترقيع والتغطية على الفشل، فلن يقود إلا إلى مزيد من الانهيار والانفجار الاجتماعي.
والمؤلم أن اللبنانيين باتوا يرددون عبارة: “الضرب بالميت حرام”، لأن المواطن الذي أنهكته الأزمات والجوع والفساد، وسلّم أمره لله بعد رؤيته موت العهد ووعوده، لم يعد يحتمل المزيد من الخيبات، ولا المزيد من العهود التي تبدأ بالوعود وتنتهي على وقع الخيبة نفسها.















عذراً التعليقات مغلقة