اخبار العالم

الأكراد: الجذور التاريخية وتطور المشروع السياسي

أولًا: إشكالية تعريف “الأكراد” تاريخيًا

من الناحية العلمية، لا يمكن تعريف الأكراد وفق مفهوم “الأمة الحديثة” قبل القرن العشرين. فمصطلح “الأكراد” في المصادر القديمة لم يكن يدل على قومية سياسية، بل على جماعات جبلية ذات نمط عيش رعوي–قبلي، تتكلم لهجات إيرانية غربية، وتعيش ضمن نطاق جغرافي محدد.
هذا النمط شائع في مجتمعات الجبال (الألب، القوقاز، الأطلس)، حيث تتأخر نشأة الدولة المركزية وتغلب البنية القبلية.
Britannica – Kurds
https://www.britannica.com/topic/Kurd-people

ثانيًا: الأكراد في المصادر القديمة

1) المصادر اليونانية والرومانية
أقدم ذكر شبه واضح يعود إلى زينوفون (القرن الرابع قبل الميلاد)، الذي تحدث عن جماعات Carduchi / Karduchoi، وهي قبائل جبلية محاربة سكنت المنطقة الواقعة بين دجلة وجبال زاغروس.
هذه التسمية لا تعني “شعبًا قوميًّا”، ولا تشير إلى كيان سياسي، بل هي توصيف إثنو–جغرافي.
Xenophon – Anabasis
https://www.livius.org/articles/person/xenophon/
2) العلاقة بالميديين: بين الاستمرارية والانقطاع
أسس الميديون دولة قوية في القرن السابع قبل الميلاد، بينما ظهر الأكراد لاحقًا كجماعات جبلية ضمن المجال الجغرافي نفسه.
تنقسم المدارس الأكاديمية إلى:
رأي يرى وجود صلة ثقافية ولغوية جزئية.
ورأي يرفض أي تطابق عرقي مباشر.
الخلاصة: لا وجود لاستمرارية سياسية أو قومية، بل تراكب سكاني طويل الأمد.
Encyclopedia Iranica – Kurds
https://iranicaonline.org/articles/kurds-i-ethnic-identity

ثالثًا: الأكراد في العصر الإسلامي

1) الاندماج في الدولة الإسلامية
مع الفتح الإسلامي، اندمج الأكراد في الدولة الجديدة، ولم يُنظر إليهم ككيان مستقل، بل كقبائل ضمن الأمة الإسلامية.
كانت الهوية الأساسية دينية (الإسلامية)، ثم قبلية وإقليمية.
2) الدولة الأيوبية: مثال حاسم
كان صلاح الدين الأيوبي كردي الأصل، لكنه لم يؤسس دولة كردية، ولم يستخدم خطابًا قوميًّا.
الدولة الأيوبية كانت متعددة الأعراق، إسلامية الهوية، ومركزها السياسي عربيًّا (القاهرة ودمشق)، وهو ما يشكل دليلًا واضحًا على غياب الوعي القومي الكردي في العصور الوسطى.
Britannica – Saladin
https://www.britannica.com/biography/Saladin
3) الإمارات الكردية
ظهرت إمارات مثل: حسنويه، أردلان، وبوتان، وتميزت بـ:
حكم محلي وراثي
ولاء اسمي للخلافة أو السلطنة
غياب أي مشروع قومي أو توسعي
Encyclopedia Iranica – Ardalan
https://iranicaonline.org/articles/ardalan

رابعًا: العهد العثماني – تكريس البنية القبلية

اتبعت الدولة العثمانية سياسة الاعتراف بالزعامات الكردية مقابل ضبط المناطق الجبلية وتأمين الحدود مع الدولة الصفوية.
أدى ذلك إلى تعزيز نفوذ العشائر، وغياب مؤسسات الدولة الحديثة، وعدم تشكّل نخبة قومية، ما يفسر تأخر تشكّل القومية الكردية مقارنة بالقوميتين التركية والعربية.

خامسًا: التحول المفصلي – القرن العشرون

1) سقوط الإمبراطورية العثمانية
مع الحرب العالمية الأولى، انهارت المرجعية الإمبراطورية، وبرزت القوميات الحديثة، مع دخول العامل الأوروبي بقوة.
2) معاهدة سيفر (1920)
أول ذكر دولي لكيان كردي جاء بصيغة مشروطة واستشارية، ولم يُنفذ عمليًا.
Treaty of Sèvres
https://wwi.lib.byu.edu/index.php/Treaty_of_Sèvres
3) معاهدة لوزان (1923)
أسقطت المشروع نهائيًا، وكرّست الدول القومية القائمة، وقسّمت الأكراد بين أربع دول. ومن هنا وُلد الشعور القومي الكردي الحديث.
Treaty of Lausanne
https://wwi.lib.byu.edu/index.php/Treaty_of_Lausanne

سادسًا: تشكّل المشروع السياسي الكردي

المشروع الكردي مشروع قومي حديث، غير موحّد، ومتأثر بالخارج، ويختلف باختلاف ساحات التطبيق:
تركيا: تمردات، قمع، ومطالب ثقافية؛ تعرّض لضربات متواصلة من الجيش التركي، وتكبد خسائر استراتيجية أجبرته على تسليم السلاح.
العراق: حكم ذاتي ثم فدرالية، يخضع لحماية دولية (أميركية–إسرائيلية).
إيران: حركات محدودة، قد تتوسع في حال انهيار النظام الإيراني.
سوريا: إدارة أمر واقع بعد عام 2011؛ حاليًا تلقت ضربات قاسية وخسائر استراتيجية بعد تخلي الإدارة الأميركية عنها.
Britannica – Kurdistan
https://www.britannica.com/place/Kurdistan

سابعًا: الإشكاليات البنيوية العميقة

غياب وحدة القرار الكردي
التداخل الإثني في المناطق المتنازع عليها
الاعتماد على القوى الخارجية
الصدام مع مفهوم الدولة الوطنية
يرى كثير من الباحثين أن المشروع الكردي لم ينضج كدولة، بل بقي ورقة في صراعات إقليمية.
JSTOR – Kurdish Nationalism
https://www.jstor.org/stable/10.1086/ahr/108.3.717

الخاتمة

الأكراد جماعة تاريخية قديمة ذات خصوصية ثقافية ولغوية، إلا أن مشروعهم السياسي القومي هو نتاج القرن العشرين، نشأ في سياق انهيار الإمبراطوريات والتدخلات الدولية.
لا تكمن الإشكالية في الهوية بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى مشروع سياسي تصادمي داخل فضاء متعدد الأعراق والدول.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى