تقترب البحرية الأمريكية من مرحلة جديدة في تطوير غواصات Virginia Block V مع ظهور أول وحدة مكتملة من Virginia Payload Module – VPM، وهي وحدة أسطوانية إضافية يجري دمجها داخل بدن الغواصة بهدف زيادة قدرتها على حمل وإطلاق الصواريخ والأسلحة بعيدة المدى.
وتُعد VPM من أبرز التعديلات الهندسية على غواصات Virginia، لأنها لا تقتصر على زيادة عدد الأسلحة، بل توفر بنية تسمح بدمج أجيال جديدة من الصواريخ والأسلحة المستقبلية داخل الغواصة.

أربع وحدات إطلاق إضافية
تتكون VPM من قسم إضافي يضم أربع وحدات إطلاق عمودية كبيرة. وتستطيع كل وحدة استيعاب ما يصل إلى سبعة صواريخ من فئة Tomahawk، ما يوفر للغواصة قدرة إضافية تصل إلى 28 صاروخاً.
ومع احتساب أنظمة الإطلاق الموجودة أصلاً في مقدمة غواصات Virginia، يمكن أن يصل إجمالي حمولة الصواريخ العمودية إلى نحو 40 صاروخاً.
وتكمن أهمية التصميم في أن الصواريخ تُخزن داخل الغواصة في أنظمة إطلاق عمودية، بحيث تستطيع الغواصة إطلاقها من موقع مخفي تحت سطح البحر من دون الحاجة إلى الاقتراب من منطقة العمليات.
ليست مخصصة لـTomahawk فقط
الميزة الأساسية في VPM هي أن تصميمها لا يرتبط بسلاح واحد.
فالحجم الكبير لخلايا الإطلاق يسمح باستيعاب أسلحة أكبر من صواريخ Tomahawk التقليدية، ومن بينها منظومة Conventional Prompt Strike – CPS، وهي سلاح فرط صوتي صُمم لتنفيذ ضربات تقليدية بعيدة المدى.
وتتيح بنية VPM، وفق تكوينات الأسلحة المخطط لها، حمل عدد أقل من الأسلحة الفرط صوتية بسبب حجمها الكبير. ويمكن لكل وحدة إطلاق استيعاب عدة أسلحة CPS مقارنة بعدد أكبر من الصواريخ الأصغر حجماً.
وهذا يمثل تحولاً مهماً: الغواصة لا تصبح مجرد منصة لإطلاق صواريخ كروز، وإنما يمكن أن تتحول إلى منصة لإطلاق أسلحة استراتيجية تقليدية عالية السرعة.
كيف تعمل الأسلحة الفرط صوتية؟
تعتمد الأسلحة الفرط صوتية على الطيران بسرعات تتجاوز ماخ 5، لكن السرعة وحدها ليست العنصر الأساسي.
القيمة العسكرية لهذه الأسلحة تأتي من الجمع بين:
السرعة العالية جداً.
القدرة على المناورة أثناء الطيران.
مسار طيران أقل قابلية للتنبؤ مقارنة بالمسارات الباليستية التقليدية.
تقليص زمن الإنذار أمام أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي.
القدرة على ضرب أهداف بعيدة خلال فترة زمنية قصيرة.
وبالنسبة إلى الغواصة، فإن إطلاق سلاح فرط صوتي من تحت الماء يضيف طبقة أخرى من التعقيد للخصم، إذ يصعب تحديد موقع منصة الإطلاق قبل تنفيذ الضربة.
زيادة طول الغواصة
إضافة VPM تتطلب تعديلاً كبيراً في هيكل الغواصة.
ومن المتوقع أن تصبح غواصات Virginia المزودة بهذه الوحدة أطول بنحو 83 قدماً، أي أكثر من 25 متراً مقارنة بالنسخ السابقة.
وهذا التعديل لا يعني فقط إضافة مساحة للأسلحة، بل يتطلب دمج الوحدة الجديدة مع أنظمة الغواصة الكهربائية والهيدروليكية وأنظمة التحكم والإطلاق، مع الحفاظ على الخصائص الهيدروديناميكية وقدرات الغوص والمناورة.
وتُعد عملية دمج قسم إضافي داخل بدن غواصة نووية من أكثر مراحل المشروع تعقيداً، لأن أي تغيير في الهيكل يجب أن يتوافق مع متطلبات الضغط والسلامة والتوازن والضوضاء تحت الماء.
لماذا تحتاج البحرية الأمريكية إلى هذه القدرة؟
تأتي VPM في مرحلة تستعد فيها البحرية الأمريكية لتقليص اعتمادها على غواصات Ohio-class المعدلة، التي حُولت أربع منها إلى غواصات صواريخ موجهة SSGN.
كانت غواصات Ohio المعدلة قادرة على حمل عدد كبير جداً من صواريخ Tomahawk، ما جعلها منصات رئيسية للضربات التقليدية بعيدة المدى.
لكن هذه الغواصات تقترب من نهاية عمرها التشغيلي.
لذلك تسعى البحرية الأمريكية إلى توزيع القدرة الصاروخية على عدد أكبر من الغواصات الحديثة بدلاً من الاعتماد على عدد محدود من الغواصات الكبيرة.
وهنا تصبح VPM عنصراً أساسياً في المحافظة على قدرة الضربات بعيدة المدى من البحر.
الغواصة كمنصة متعددة الأسلحة
التصميم يسمح أيضاً باستخدام VPM لتطوير قدرات مستقبلية.
ومن بين الاتجاهات التي يجري بحثها دمج أسلحة أخرى، بما فيها صواريخ مضادة للإشعاع أو أسلحة للدفاع الجوي، وهو ما يمكن أن يوسع دور الغواصة من منصة هجوم أرضي إلى منصة متعددة المهام.
وتتميز الغواصة هنا بميزة لا تمتلكها معظم المنصات البرية أو السطحية: القدرة على الاقتراب من منطقة العمليات مع المحافظة على التخفي.
فعندما تكون الغواصة تحت الماء، لا يعتمد اكتشافها على الرادار التقليدي، بل يحتاج الخصم إلى استخدام منظومات سونار ووسائل استطلاع ومراقبة مضادة للغواصات.
الأهمية التقنية لـVPM
يمكن النظر إلى VPM باعتبارها أكثر من مجرد أربع وحدات إطلاق.
فهي في الأساس بنية تسليح معيارية يمكن استخدامها لاستيعاب أسلحة مختلفة على مدى العمر التشغيلي للغواصة.
وهذا مهم لأن دورة حياة الغواصة قد تمتد لعقود، بينما تتغير الصواريخ والأسلحة الإلكترونية خلال فترات أقصر بكثير.
لذلك فإن توفير مساحة كبيرة وأنظمة إطلاق قادرة على التعامل مع أسلحة متعددة يمنح البحرية إمكانية تحديث الغواصات مستقبلاً من دون إعادة تصميم الغواصة بالكامل.
من Virginia إلى منصة ضربات استراتيجية
مع دخول VPM الخدمة، تنتقل غواصات Virginia Block V إلى مستوى مختلف من القدرات.
فالغواصة تجمع بين:
الدفع النووي + التخفي تحت الماء + صواريخ كروز بعيدة المدى + إمكانية حمل أسلحة فرط صوتية + قابلية دمج أسلحة مستقبلية.
وهذا يجعلها جزءاً مهماً من مفهوم الحرب البحرية الحديثة، حيث لم تعد الغواصة تعتمد فقط على الطوربيدات لمهاجمة السفن، بل أصبحت منصة لإطلاق أسلحة دقيقة بعيدة المدى ضد أهداف برية وبحرية من مناطق يصعب على الخصم مراقبتها.
ويعكس ظهور أول وحدة VPM مكتملة انتقال البرنامج من مرحلة التصميم إلى مرحلة التصنيع الفعلي، تمهيداً لإدخال هذه التكنولوجيا في غواصات Virginia Block V وما بعدها.












عذراً التعليقات مغلقة