عام مضى — ولا يزال لبنان يمتنع عن مواجهة حزب الله

دايفيد شينكر – الشرق الأوسط
قبل أيام من الذكرى السنوية الأولى لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و”حزب الله”، أعلنت حكومة لبنان أنها ستمنح آلاف مقاتلي “حزب الله” الذين أُصيبوا بفعل عملية إسرائيلية سرية في أيلول/سبتمبر 2024 بطاقات عجز رسمية ومزايا كاملة. تلك العملية تمثلت في تفجير أجهزة تنبيه (pagers) كانت بحوزة عناصر الجماعة. أثار هذا الإعلان رد فعل غاضب من إدارة ترامب، فتم سحب القرار بسرعة، لكن ذلك لم يمنع تسليط الضوء على حقيقة مزعجة: بعد أكثر من عام على الهجوم الإسرائيلي الذي أضرّ بالحزب وقيادته، لا تزال الحكومة اللبنانية تتصرّف وكأنها خاضعة تماماً له.
هذا التصرف الحكومي الأخير هو مجرد عرض واحد من أعراض ما يشبه “متلازمة ستوكهولم” على المستوى الوطني. وفيما يقترب لبنان من الذكرى السنوية الأولى لوقف إطلاق النار، نادراً ما سيجد المرء من يحتفل بذلك. ويزداد هذا الانطباع وضوحاً مع التصعيد الأخير، حيث أعلنت إسرائيل مقتل رئيس أركان “حزب الله” في ضربة جوية قرب بيروت — تذكير صارخ بأن الدولة اللبنانية لم تفِ بوعودها المتعلقة بإعادة بسط سيادتها وتجريد الحزب من سلاحه، ومن المرجح أنها لن تفعل.
بعد انتخاب الرئيس جوزيف عون في كانون الثاني/يناير 2025، ساد بعض التفاؤل بأن عهده سيمثل بداية جديدة للبنان. فقد تعهّد عون صراحة باستعادة احتكار الدولة للسلاح وفرض القانون على كامل أراضي البلاد. لكن بعد مرور عشرة أشهر، لم يتحقق شيء تقريباً من هذه الوعود. فالجيش اللبناني لا يجمع سلاح “حزب الله”، والحزب هدد بإشعال حرب أهلية إذا جرت محاولات فعلية لنزع سلاحه. كما أن معظم ترسانة الحزب محفوظة داخل ما يُسمّى “ممتلكات خاصة”، وهي مناطق يتجنّب الجيش دخولها. وفي الوقت نفسه، تتذمّر الدولة من الضربات الإسرائيلية على مخازن أسلحة الحزب، رغم أنها تستهدف الترسانة ذاتها التي يفترض بالدولة مصادرتها.
إضافة إلى العجز عن بسط السيادة، تبدو الحكومة اللبنانية غير راغبة — أو غير قادرة — على تعزيز العدالة والمساءلة. فبعد مرور أكثر من خمس سنوات على انفجار مرفأ بيروت عام 2020، لم يحرَز أي تقدّم حقيقي في التحقيق أو المحاكمات. فالانفجار، الذي أودى بحياة أكثر من 200 شخص وجرح الآلاف وشرّد مئات الآلاف، كان يجب أن يؤدي إلى محاسبة مسؤولين كثر لتورطهم في تخزين 3,000 طن من نترات الأمونيوم بطريقة كارثية. لكن أحد الأسباب الجوهرية لغياب المحاسبة هو تورط “حزب الله” نفسه — فقد كان يسيطر على المرفأ، وتفيد تقارير بأنه حوّل جزءاً من نترات الأمونيوم إلى نظام الأسد لاستخدامها في قنابل برميلية ضد المدنيين في سوريا.
كان أوّل من تحدث علناً عن تورط الحزب هو الكاتب الشيعي لقمان سليم، في مقابلة عام 2021. بعد 20 يوماً فقط، اغتيل في جنوب لبنان، ضمن منطقة يهيمن عليها الحزب. لم تحقق الشرطة اللبنانية بجدية في الجريمة، ولم يُظهر القضاء أي استعداد لملاحقة القضية. ورغم إعادة فتح الملف مؤخراً بناءً على ضغوط من زوجته الألمانية، إلا أنه لم يتحرك فعلياً.
منذ اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري عام 2005، يُعتقد على نطاق واسع أن “حزب الله” يقف خلف سلسلة طويلة من الاغتيالات التي طالت سياسيين وصحافيين ومسؤولين أمنيين. ورغم كل الأدلة، لم يُحاسَب أيّ شخص. وهذا لم يكن مفاجئاً في ظل حكومات سابقة متواطئة، لكنه صادم أكثر في ظل حكومة تُقدم نفسها على أنها إصلاحية.
وفي مقابل التقاعس اللبناني، تقوم إسرائيل — بحسب المقال — بدور “المحاسب البديل”. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2024، قتلت إسرائيل قائداً في “حزب الله” يُدعى يحيى عياش في غارة بسوريا، وهو متهم بالضلوع في عمليات اغتيال سياسية. ومؤخراً، نشرت إسرائيل على منصة X معلومات تزعم أن الحزب اختطف وسمّم السياسي المعارض إلياس حصروني عام 2023 عبر “الوحدة 121” المتخصصة بالاغتيالات.
نزع سلاح “حزب الله” بلا شك خطوة محفوفة بالمخاطر. لكن هذا ما التزم به لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل. غير أن الهدف الفعلي للدولة اللبنانية بات تجنب الصدام مع الحزب. التهديدات الأميركية بوقف المساعدات العسكرية أو عرقلة إعادة الإعمار غير كافية لإقناع الدولة والجيش بالمضي قدماً، مقارنة بالخوف المباشر من اندلاع العنف.
بعد الهجوم الإسرائيلي القاسي على “حزب الله” في خريف 2024، كانت واشنطن تأمل في أن يؤدي ذلك إلى تغيير جذري في لبنان. لكن الواقع اليوم يشير إلى أنه يجب خفض سقف التوقعات. ينبغي للولايات المتحدة الاستمرار في الضغط على الحكومة اللبنانية لمصادرة أسلحة الحزب والسماح للقضاء بملاحقة جرائم الاغتيالات. لكن التاريخ يشير إلى أن لبنان — الخائف من “حزب الله” — سيستمر في التراجع، وسيواصل خيبة الآمال.




