واشنطن أمام الخيار الأصعب: إسقاط النظام الإيراني أم حرب بلا نهاية؟

تادي عوادمنذ 29 دقيقةآخر تحديث :
واشنطن أمام الخيار الأصعب: إسقاط النظام الإيراني أم حرب بلا نهاية؟

بعد أشهر من الحرب الأمريكية–الإيرانية، تواجه واشنطن معضلة تتجاوز التفوق العسكري. فالولايات المتحدة قادرة على تدمير جزء كبير من البنية العسكرية والصاروخية والنووية الإيرانية، لكن السؤال الأصعب هو: كيف يتحول هذا التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية دائمة؟

هنا تكتسب التقييمات الاستخباراتية الأمريكية أهمية خاصة. فقد نقلت واشنطن بوست في يوليو/تموز أن تقديرات استخباراتية خلصت إلى أن الضربات الأمريكية الإضافية لن تؤدي على الأرجح إلى تغيير كبير في موقف طهران التفاوضي، وأن واشنطن وطهران عالقتان في حالة ممتدة بين الحرب والسلام. كما أشارت التقييمات إلى قدرة النظام الإيراني على تحمل الضربات والاستمرار في المواجهة.

وهذه هي جوهر المشكلة: تدمير الأهداف لا يعني بالضرورة تغيير سلوك النظام.

 

الضربات تؤخر البرنامج ولا تنهي المشكلة

 

حتى إذا أدت العمليات العسكرية إلى تدمير أو تعطيل أجزاء مهمة من البرنامج النووي الإيراني، فإن المعرفة التقنية والكوادر والقدرة الصناعية لا يمكن القضاء عليها بضربة جوية واحدة.

وبالتالي، إذا بقي النظام، تبقى لديه إمكانية إعادة بناء ما دُمر، ما يجعل الخيار العسكري المتكرر أقرب إلى الاحتواء بالقوة منه إلى حل نهائي.

 

الحرب تتحول إلى استنزاف

 

المشكلة الأخرى هي كلفة الحرب نفسها. فقد أفادت رويترز بأن النزاع أدى إلى استنزاف مخزونات أمريكية من الذخائر والصواريخ، بينما تعمل وزارة الدفاع والصناعة الأمريكية على تسريع إنتاج صواريخ متقدمة وتعويض المخزون.

وتشير تقديرات منشورة حديثاً إلى أن تكلفة الحرب الأمريكية بلغت نحو 38 مليار دولار خلال ستة أشهر، مع توقع ارتفاعها بنحو 3 مليارات دولار شهرياً.

وهنا تظهر معادلة مختلفة: تستطيع الولايات المتحدة إلحاق أضرار هائلة بإيران، لكن هل تستطيع مواصلة الحرب بالوتيرة نفسها إلى ما لا نهاية؟

إيران لا تحتاج إلى هزيمة الجيش الأمريكي. يكفيها إبقاء الحرب مكلفة عبر الصواريخ الباليستية، المسيّرات، الصواريخ المضادة للسفن، الحرب الإلكترونية وتهديد الملاحة، خصوصاً في مضيق هرمز.

 

روسيا والصين تمنحان طهران هامشاً للمناورة

 

العامل الآخر هو قدرة إيران على إعادة بناء قدراتها بدعم خارجي سياسي واقتصادي وتقني.

وفي 17 سبتمبر/أيلول، استخدمت روسيا والصين حق النقض في مجلس الأمن ضد تمديد مهمة الخبراء المستقلين لمراقبة العقوبات على إيران، ما أنهى عملياً عمل آلية المراقبة الدولية.

ولا يعني ذلك أن موسكو أو بكين ستدخلان حرباً مباشرة مع واشنطن دفاعاً عن إيران، لكنه يعكس وجود مساحة دولية تسمح لطهران بمواصلة الصمود وإعادة تنظيم قدراتها.

 

أمام واشنطن ثلاثة مسارات

 

الأول: استمرار الحرب.

يمكن أن يؤدي إلى إضعاف إيران أكثر، لكنه لا يضمن تغيير النظام أو إنهاء البرنامج النووي، فيما ترتفع كلفة الاستنزاف.

الثاني: العودة إلى التفاوض.

وهذا يتطلب اتفاقاً أكثر صرامة، مع آليات تحقق ورقابة وضمانات طويلة الأمد، وإلا فقد يتحول التفاوض إلى هدنة تستغلها إيران لإعادة بناء قدراتها.

الثالث: تغيير النظام.

وهنا تدخل واشنطن أخطر مرحلة. فإسقاط النظام لا يعني تلقائياً قيام حكومة مستقرة ومتعاونة. وقد يؤدي انهيار السلطة المركزية إلى صراع داخلي أو تفكك أمني وانتشار السلاح والفوضى.

 

السؤال الحقيقي: ماذا بعد الضربة؟

 

هذه هي العقدة الأساسية أمام واشنطن.

يمكن للقوة الأمريكية أن تدمر منشآت وقواعد وصواريخ ومراكز قيادة، لكن من سيحكم إيران بعد ذلك؟ ومن يسيطر على المنشآت النووية؟ ومن يضمن عدم انتشار الصواريخ والمواد النووية؟ ومن يسيطر على الحرس الثوري والأجهزة الأمنية؟

لذلك فإن إسقاط النظام أسهل عسكرياً من إدارة اليوم التالي سياسياً وأمنياً.

 

التقييم الاستراتيجي

 

المعطيات المنشورة حتى الآن تشير إلى أن القوة العسكرية الأمريكية نجحت في إلحاق أضرار كبيرة بإيران، لكنها لم تثبت أنها قادرة وحدها على فرض النتيجة السياسية التي تريدها واشنطن. كما أن التقييم الاستخباراتي الأمريكي المنشور في يوليو أشار صراحة إلى أن الضربات الإضافية قد لا تدفع طهران إلى تغيير موقفها التفاوضي.

وهكذا تنتقل الحرب إلى مرحلة أكثر تعقيداً:

واشنطن تستطيع تدمير إيران عسكرياً بدرجات كبيرة، لكنها لا تملك حتى الآن إجابة واضحة عن كيفية إنهاء الصراع سياسياً.

فإذا بقي النظام، قد تعود المواجهة بعد إعادة بناء القدرات. وإذا استمرت الحرب، تتحول تدريجياً إلى استنزاف. وإذا اختارت واشنطن إسقاط النظام، فإنها ستواجه السؤال الأصعب:

من سيحكم إيران في اليوم التالي؟

وهنا تحديداً تكمن المعضلة الأمريكية:

المشكلة لم تعد في كيفية ضرب إيران، بل في كيفية جعل الحرب تنتهي.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

الاخبار العاجلة