نشأة الملف والعقد الأساسي
بدأت القصة عام 2010 مع مفاوضات لبنانية مع مجموعة “كارادنيز” التركية للطاقة (Karadeniz Energy Group)، عبر ذراعها “كاربورشيب” (Karpowership). من بين 9 شركات تقدمت للعروض الأولية، استبعدت لجنة وزارية 7 شركات وحصرت المنافسة بين “كاربورشيب” التركية وشركة أميركية، قبل أن يقع الاختيار على الشركة التركية ، دون أن تمر العملية عبر مناقصة رسمية شفافة في إدارة المناقصات.
وُقّع العقد رسمياً عام 2012 بين “كهرباء لبنان” (EDL) وشركة كاربورشيب، لنشر باخرتين بقدرة إجمالية 404 ميغاواط تشكل نحو 20-25% من إمدادات الكهرباء في لبنان . دخلت البواخر الخدمة فعلياً عام 2013.
البواخر والمواقع
باخرة Karadeniz Powership Fatmagül Sultan و باخرة Karadeniz Powership Orhan Bey
(لاحقاً استُبدلت ببواخر أخرى بنفس الاسم/الفئة)، كل منها بقدرة 202 ميغاواط.
بُنيت في مرسى Sedef بمدينة طوزلا في إسطنبول واكتملت عام 2013 .
رست البواخر في مرفأي الجية (جنوب بيروت) والذوق (شمال بيروت).
القدرة التعاقدية ارتفعت لاحقاً إلى 370 ميغاواط بنهاية 2016 .
تجديد العقود
العقد الأصلي جُدد مرتين — عام 2016 وعام 2018 — بدل أن يكون مؤقتاً كما وُعد ابتداءً. في يونيو 2018 مُدد العقد لثلاث سنوات إضافية . انتهى العقد نهائياً في سبتمبر 2021 ، وتوقفت البواخر عن التزويد في الأول من أكتوبر 2021.
الكلفة المالية
كلفة استئجار البواخر، شاملة العمولات، بلغت نحو 850 مليون دولار سنوياً لمدة 5 سنوات أضعاف كلفة بناء معامل إنتاج دائمة.
أنفق لبنان أكثر من 1.5 مليار دولار على شراء الكهرباء من البواخر منذ 2013، دون احتساب كلفة الفيول التي وفرتها الدولة .
حقق تحليل لصحيفة “لوريان لوجور” أن كاربورشيب جنت نحو 750 مليون دولار أرباحاً من لبنان خلال 8 سنوات.
وفق البيانات المالية لشركة كارادنيز القابضة (مالطا)، ساهم لبنان بأرباح إجمالية بلغت 88.8 مليون دولار عام 2018 و67 مليون دولار عام 2019.
بحلول 2021 كانت “كهرباء لبنان” متأخرة عن سداد أكثر من 100 مليون دولار لكارادنيز.
فضيحة الفساد (2021)
في فبراير 2021 كشف برنامج تلفزيوني لبناني (“يسقط حكم الفاسد”) تفاصيل اتفاقيات عمولة زُعم أنها أُبرمت وقت توقيع عقد 2012، عبر رسالة مؤرخة في 28 مارس 2012 بعنوان “خدمات استشارية – اتفاقية بيع الكهرباء مع وزارة الطاقة/كهرباء لبنان”، حملت توقيع رالف فيصل، المهندس الذي مثّل مصالح كاربورشيب في لبنان . وُجّهت الرسالة إلى فاضل رعد، الذي وُصف بأنه مقرّب من وزير المال آنذاك محمد الصفدي.
نتيجة لذلك:
في 5 مايو 2021 أصدر النائب العام المالي القاضي علي إبراهيم قراراً بحجز البواخر ومنعها من مغادرة السواحل اللبنانية، وطلب من وزارة المالية عدم دفع أي مستحقات لكاربورشيب وكارادنيز .
أصدر القاضي إبراهيم مذكرتي توقيف وجاهيتين بحق فيصل ورعد، وطلبت النيابة المالية توقيف حسن أمهز .
استند قرار الحجز إلى تعهد الشركة، عند التلزيم، بدفع غرامة تصل إلى 25 مليون دولار حال ثبوت وجود سمسرات أو عمولات .
ردّت الشركة بالضغط عبر خفض/قطع الإنتاج وسط أزمة كهرباء حادة كان لبنان يعيشها أصلاً.
سياق دولي
كشفت تحقيقات صحافية (منها AmaBhungane في جنوب أفريقيا) أن مجموعة كارادنيز نمت من 5 بواخر بقدرة 785 ميغاواط عام 2011 إلى نحو 3100 ميغاواط بنهاية 2019 ، وأن لبنان كان أحد أكبر “الزبائن الكبار” الذين موّلوا هذا النمو، إذ أصبح عقد لبنان أطول عقد تشغله الشركة. كما واجهت الشركة اتهامات مشابهة بالرشى في باكستان، إضافة إلى الجدل حول عطاء الطاقة الطارئة في جنوب أفريقيا.
التطورات الأخيرة (2025–2026)
في أبريل 2025 وقّع لبنان قرضاً بقيمة 250 مليون دولار مع البنك الدولي لإصلاح قطاع الكهرباء.
في يونيو 2026، اتخذت حكومة نواف سلام خطوة نوعية: وافق مجلس الوزراء على وضع ملف استئجار بواخر توليد الطاقة تحت مجهر تدقيق جنائي رسمي ، بناءً على اقتراح وزير الطاقة جو صدّي. يتضمن دفتر الشروط شقين: الأول عام قابل للتطبيق على أي وزارة، والثاني خاص بملف البواخر (استئجار البواخر التركية بين 2012 و2021) .
التدقيق سيغطي الجوانب المالية والتعاقدية الكاملة للملف، إضافة إلى آليات التلزيم والمناقصات المستقبلية بما يضمن الشفافية ، على أن ينطلق فور تأمين وزارة المالية للتمويل اللازم.
باختصار: ملف البواخر التركية يبقى أحد أبرز رموز الهدر والفساد المرتبط بقطاع الكهرباء في لبنان، ولا يزال حتى اليوم (أغسطس 2026) قيد التدقيق القضائي والإداري دون أن تُحسم المسؤوليات نهائياً أو تُسترد الأموال المشكوك فيها.















عذراً التعليقات مغلقة