تتكاثر في الآونة الأخيرة حملات التجنّي على القوات اللبنانية، من بعض الرفاق الذين كانوا يومًا في صفوفها، ثم اختاروا الابتعاد عنها.
وهنا يفرض السؤال نفسه: ما الذي يدفع بعض القواتيين القدامى إلى تحويل خلافهم مع القوات إلى حملة تجنٍّ عليها؟
هل تغيّرت القوات فعلًا عن المبادئ التي قام عليها نضالها؟
هل تخلّت عن سيادة لبنان واستقلاله؟
هل تعاملت مع الاحتلال أو مع عملائه؟
أم أن الخلاف أصبح مرتبطًا بمواقع سياسية، أو أدوار تنظيمية، أو طموحات شخصية لم تجد طريقها إلى التحقّق؟
هذه أسئلة مشروعة، ويحق لكل من عاش تلك المرحلة أن يطرحها، كما يحق لنا أن نبحث عن إجابات صادقة.
الاختلاف حق… لكن تشويه الماضي شيء آخر تمامًا.
من حق أي قواتي، سابقًا كان أم حاليًا، أن يختلف مع القيادة، وأن ينتقد الأداء السياسي، وأن يعترض على التحالفات، بل وأن يترك القوات ويؤسس حزبًا أو حركة جديدة، كما فعل فؤاد أبو ناضر وفادي الشمّاتي وإميل رحمة وآخرون.
هذه هي السياسة، وهذا حق طبيعي في الحياة الديمقراطية.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تختلف مع رفاق الأمس، وبين أن تنكر معهم السنوات التي عشتها، والتضحيات التي شاركت فيها، والظروف التي وقفت فيها إلى جانبهم.
والقوات نفسها لم تكن يومًا تنظيمًا جامدًا. لقد مرّت بتحولات عميقة ومراحل بالغة الصعوبة؛ من تنظيم عسكري إلى حزب سياسي، ومن مرحلة الحرب إلى مرحلة الحلّ والسجن والحظر، ثم إلى إعادة بناء العمل السياسي والتنظيمي.
وفي كل محطة، دفع القواتيون أثمانًا قاسية لا تحتمل.
غادر البعض البلاد بحثًا عن الأمان.
وانصرف آخرون إلى العمل وتأمين لقمة العيش.
وآثر البعض الانكفاء، خوفًا على نفسه أو حرصًا على عائلته.
وفقد آخرون أحبة ورفاقًا، ودفعوا من أعمارهم وأمنهم ومستقبلهم ثمنًا لمواقف آمنوا بها.
لهذا، فإن مغادرة القوات أو الاختلاف معها ليس جريمة ولا خيانة.
لكن عندما يتحوّل الخلاف إلى تشويه للتاريخ، وعندما يصبح كل من بقي في القوات مجرّد «تابع»، وكل من غادرها «صاحب رؤية وقيادة»، يصبح من حقنا أن نسأل: إذا كان الدفاع عن وجودنا الحر والمستقل خطأً، وإذا كانت القضية التي حملناها لم تكن عادلة، فلماذا كنتم جزءًا منها أصلًا؟
«إبعاد الصف الثاني» و«تركيب قيادة جديدة»
من أكثر العبارات تداولًا في بعض الحملات اليوم الحديث عن «إبعاد الصف الثاني» و«تركيب قيادة جديدة».
لكن من هو «الصف الثاني»؟
وهل يُقاس تاريخ الإنسان داخل حزب أو تنظيم بموقعه الحالي، أو بلقب حمله في مرحلة معينة؟
في الواقع، لا يزال حتى اليوم مئات الرفاق الذين عاصروا المراحل الأولى للقوات يمارسون أدوارًا سياسية وتنظيمية وحزبية أساسية، ويتولى معظمهم مسؤوليات قيادية مؤثرة.
ومن الظلم اختزال هؤلاء، أو اختزال من غادروا، في رواية جاهزة تقول إن من خرج كان قياديًا مهمشًا، وإن من بقي ليس سوى تابع.
هذه ليست قراءة للتاريخ بقدر ما هي قراءة انتقائية تخدم رواية محددة.
ثم إن القوات ليست متحفًا للقيادات القديمة، ولا مؤسسة تتوقف عند مجموعة من الأسماء.
الحزب الحيّ هو الحزب الذي يتغيّر مع الزمن؛ أجيال تتقدم، وأخرى جديدة تدخل، والمسؤوليات تنتقل من شخص إلى آخر.
وهذا لا يعني بالضرورة إقصاء أحد، بل هو جزء طبيعي من حياة أي تنظيم يريد أن يستمر.
فالذين كانوا في العشرينيات أو الثلاثينيات من أعمارهم عند بداية الحرب، أصبحوا اليوم في أعمار متقدمة، فيما غادر قسم كبير منهم هذه الدنيا.
وهذه هي سنّة الحياة.
والأهم في أي حركة سياسية أن تعرف كيف تحفظ ذاكرة الذين أسّسوا، وفي الوقت نفسه، كيف تفتح الطريق أمام الذين سيكملون.
قيمة القيادي القديم ليست في الكرسي
قيمة القيادي القديم لا تكمن في بقائه إلى الأبد في الموقع نفسه، بل في قدرته على نقل تجربته وخبرته إلى الجيل الجديد.
فالإنسان الذي عاش الحرب، وتحمل الخوف، وشهد سقوط الرفاق، وعرف معنى المسؤولية في الأيام الصعبة، يحمل في ذاكرته ما لا يمكن لأي كتاب أن يعلّمه.
وكما كانت الأجيال الأولى من المقاتلين تنقل خبراتها إلى الأجيال التي تلتها، كذلك يجب أن تكون الحال في العمل السياسي والحزبي.
الخبرة تُراكم، والمعرفة تُنقل، والمسؤولية تنتقل من جيل إلى جيل.
وكما كان يُقال في زمن الحرب: «كل نقطة عرق توفّر نقطة دم»، فإن كل تجربة عاشها جيل من الرفاق يمكن أن تختصر على الجيل الجديد الكثير من الأخطاء، وتمنحه خبرة تراكمية تساعده على مواصلة الطريق بثبات.
لذلك، فإن تكريم القيادي القديم لا يكون بالضرورة بإبقائه في الموقع نفسه إلى الأبد، بل بحفظ تجربته، واحترام تاريخه، والاستفادة من معرفته، وعدم التعامل معه وكأن انتهاء دوره التنظيمي يعني انتهاء قيمته.
اختلفوا كما تشاؤون… ولكن لا تنكروا أنفسكم
من حق من غادر القوات أن يسأل: ماذا تغيّر؟
لكن من حقنا أيضًا أن نسأله: ماذا تغيّر في القوات فعلًا، وماذا بقي ثابتًا من مبادئها وقضيتها؟
إذا كان الاعتراض على قرار سياسي، فليُناقش القرار.
إذا كان هناك خلل تنظيمي، فليُكشف.
إذا كان هناك ظلم شخصي، فليُروَ كما حدث.
وإذا كانت هناك تجربة مؤلمة، فمن حق صاحبها أن يتحدث عنها.
لكن ما ليس عادلًا هو أن تتحول تجربة شخصية إلى حكم على تاريخ كامل، وأن تتحول مرارة الخلاف إلى إدانة لآلاف الرفاق الذين عاشوا التجربة نفسها، وبقوا متمسكين بما آمنوا به.
فالاختلاف حق. والمراجعة حق. والانتقاد حق. وحتى المغادرة حق.
أما التجنّي على تاريخ كامل، وعلى آلاف الرفاق الذين دفعوا أثمانًا باهظة في سبيل قضيتهم، فليس حقًا ولا عدلًا.
القوات ليست فوق النقد
القوات ليست فوق النقد، ولا ينبغي لها أن تكون.
الحزب الحي هو الذي يحتمل النقد، ويعترف بأخطائه، ويراجع أداءه، ويطوّر أفكاره وأساليبه.
والقوات، كأي حزب سياسي، تحتاج دائمًا إلى مراجعة نقدية، وإلى قراءة تجربتها بصدق، والاعتراف بما أصاب وما أخطأ.
لكن هناك فارقًا أخلاقيًا وتاريخيًا كبيرًا بين النقد والتجنّي، وبين المراجعة وإعادة كتابة التاريخ من موقع الخصومة.
من حق من غادر أن يبني مشروعه، وأن ينافس سياسيًا، وأن يقول إن لديه رؤية أفضل.
لكن ليس من حقه أن يمحو من التاريخ أنه كان يومًا جزءًا من هذه التجربة، أو أن يتعامل مع رفاق الأمس وكأنهم كانوا على الضفة الأخرى.
فالذين بقوا ليسوا جميعًا ساذجين، والذين غادروا ليسوا جميعًا خونة.
ما يجمعنا أكبر من موقع تنظيمي، وأعمق من خلاف سياسي عابر.
في النهاية…
الخلاف السياسي طبيعي. والاختلاف طبيعي. والانشقاق طبيعي. وتأسيس الأحزاب والحركات الجديدة حق ديمقراطي.
يستطيع أي شخص أن يختلف مع القوات، وأن ينتقدها، وأن يغادرها، بل وأن يؤسس حزبًا وينافسها انتخابيًا وسياسيًا.
لكن ما لا يستطيع أحد فعله هو محو الذاكرة.
لا يستطيع أن يمحو من التاريخ تضحيات رفاقه، ولا أن يلغي السنوات التي عاشها بينهم، ولا أن يتنكر لحقيقة أنه كان يومًا واحدًا من أولئك الذين يهاجمهم اليوم.
لأن التاريخ لا يُكتب بالمصالح الشخصية، ولا يُعاد تشكيله كلما تغيّر الموقع السياسي.
التاريخ يُكتب بما فعله الرجال في الأيام الصعبة.
بمن بقي عندما كان البقاء مكلفًا.
بمن تمسّك بقضيته عندما لم تكن القضية مربحة سياسيًا، ولا طريقًا إلى السلطة.
وبمن حمل رفاقه في ذاكرته حتى عندما افترقت الطرق.
قد تختلفون مع القوات كما تشاؤون.
انتقدوها، راجعوها، نافسوها، وابنوا مشاريعكم.
لكن لا تنكروا أنفسكم.
ولا تنكروا رفاق الأمس.
ولا تحوّلوا سنوات من العمر، والنضال، والتضحيات، إلى مجرد خطأ تريدون محوه لأنكم اختلفتم اليوم.
المواقع تتغير، والقيادات تتبدل، والأجيال تتعاقب…
أما المبدأ، فهو وحده الذي يبقى.
بكل محبة،
رفيقكم تادي عواد















عذراً التعليقات مغلقة