بقلم: تادي عواد
الجريمة التي لا تشبه أي جريمة
في أواخر عام 2019، اكتشف ملايين اللبنانيين أن أموالهم المودعة في المصارف — مدخرات عمر، تعويضات نهاية خدمة، أموال غربة — باتت حبيسة خلف شبابيك زجاجية لا تُفتح. لم يكن ثمة سارق واحد بالاسم، ولا بنك أُعلن إفلاسه رسمياً، ولا قرار حكومي صريح بالمصادرة. كان الأمر أشبه بالاستيقاظ ذات صباح لتجد بيتك قائماً لكن كل ما بداخله قد تبخّر.
هذا المقال هو محاولة لفهم آلية عمل المنظومة التي أفضت إلى هذا الانهيار، وتتبع مسار الأموال بين الأطراف الثلاثة الرئيسية: المصارف التجارية، ومصرف لبنان، والدولة اللبنانية.
الجزء الأول: كيف بُنيت الهشاشة — ثلاثة عقود من الوهم
1.1 ما بعد الحرب: نموذج الإعمار المديون
انتهت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990 بوضع اقتصادي مدمر: بنية تحتية مُهلَكة، عملة وطنية مُنهَكة، ومؤسسات دولة شبه معدومة. اتخذت حكومة رفيق الحريري في مطلع التسعينيات قراراً محورياً: إعادة الإعمار بالدَّين، واستقطاب رؤوس الأموال عبر سياسة سعر صرف مثبَّت وفوائد مرتفعة.
كانت الفكرة، نظرياً، مقبولة: استعمل الأموال الخارجية لبناء الاقتصاد، ثم استخدم عائدات النمو للسداد. لكن هذه المعادلة افترضت أن النمو سيتحقق فعلاً، وأن الإنفاق سيتدفق إلى الاقتصاد الحقيقي لا إلى جيوب المتنفذين. لم يحدث لا هذا ولا ذاك.
1.2 تثبيت سعر الصرف: السيف ذو الحدين
في عام 1997، ثبّت مصرف لبنان سعر صرف الليرة عند 1507.5 ليرة للدولار. كان القرار يهدف إلى استعادة الثقة ووقف التضخم، وقد نجح في مهمته الفورية. لكن الثمن كان باهظاً على المدى البعيد.
تثبيت سعر الصرف في اقتصاد لا يملك احتياطيات كافية هو رهان مفتوح على المستقبل. فلكي يحافظ المصرف المركزي على الدولار بهذا السعر، عليه أن يبيع الدولارات باستمرار متى أراد المستوردون أو المواطنون شراءها. وهذا يعني استنزافاً تدريجياً للاحتياطيات ما لم يتدفق الدولار من مصادر حقيقية: صادرات، سياحة، استثمار أجنبي مباشر.
لكن لبنان لم يبنِ قطاعاً صناعياً أو زراعياً تنافسياً. اعتمد شبه كلياً على تحويلات المغتربين والسياحة والخدمات المالية — وهي مصادر هشة، مرتبطة بالاستقرار الإقليمي والثقة الدولية.
1.3 الدين العام: الثقب الأسود
خلال التسعينيات وحتى الانهيار، كانت الدولة اللبنانية تعيش بما يفوق دخلها بفارق شاسع. الموازنة العامة كانت تُقرّ بعجز مستمر، يُموَّل عبر إصدار سندات خزينة بفوائد مرتفعة تشتريها المصارف اللبنانية.
الأرقام تُذهل: وصل الدين العام اللبناني إلى نحو 170% من الناتج المحلي الإجمالي قبيل الانهيار — من أعلى النسب في العالم. كانت الدولة تقترض لتدفع الفوائد على قروض سابقة، في حلقة مفرغة كلاسيكية.
أين ذهبت هذه الأموال؟ على أربعة محاور:
كتلة الأجور: يستهلك قطاع عام منتفخ نحو 35-40% من النفقات، ليس بسبب الكفاءة بل بسبب التوظيف الزبائني لكسب الولاء الطائفي والسياسي.
خدمة الدين: كلما تراكم الدين، ازدادت مدفوعات الفوائد، حتى باتت تلتهم ثلث الموازنة.
كهرباء لبنان: الكارثة المزمنة التي ابتلعت أكثر من 40 مليار دولار على ثلاثة عقود دون أن تنتج كهرباء منتظمة.
الهدر والفساد: صفقات التراضي، والمشاريع الوهمية، والعقود المُضخَّمة.
الجزء الثاني: آلية البونزي — كيف سُرقت الأموال بالأرقام
2.1 المثلث المميت
لفهم آلية سرقة أموال المودعين، يجب فهم العلاقة بين الأطراف الثلاثة:
المودع → المصرف التجاري: يودع المواطن دولاراته في المصرف آملاً بفوائد معقولة وحفظ آمن.
المصرف التجاري → مصرف لبنان: بدلاً من إقراض هذه الأموال للقطاع الخاص الإنتاجي، تضعها المصارف في مصرف لبنان لقاء فوائد عالية تتراوح بين 10% و20% بالدولار — وهي فوائد خيالية في عالم تكاد فيه الفوائد على الدولار تكون صفراً.
مصرف لبنان → الدولة: يُقرض مصرف لبنان الدولة عبر شراء سندات الخزينة بالليرة، ثم يُحوِّل هذه الليرة إلى دولارات — بسعر صرف مدعوم — لتغطية نفقات الدولة واستيراد البضائع.
هذه الدورة كانت تعمل طالما يتدفق دولار جديد من الخارج. حين توقف التدفق، انهارت المنظومة.
2.2 الهندسات المالية: المسمار الأخير في النعش
بين عامَي 2016 و2019، ومع شُح الدولارات وتراجع تحويلات المغتربين، ابتكر مصرف لبنان تحت إشراف حاكمه رياض سلامة ما سُمِّيَ بـ”الهندسات المالية” — وهي عمليات شراء مصرف لبنان لسندات دولية بالدولار من المصارف التجارية، مقابل إيداعات بالليرة أو بالدولار بفوائد فلكية.
الهدف المُعلَن كان تعزيز الاحتياطيات. الهدف الفعلي كان شراء الوقت. أما النتيجة فكانت كارثية:
استُخدمت أموال المودعين الجدد لدفع فوائد خيالية للمودعين القدامى وللمصارف ذاتها.
اكتسبت المصارف أرباحاً ضخمة من هذه العمليات وزَّعتها كأرباح على مساهميها، بدلاً من تعزيز رأس المال لمواجهة المخاطر.
ضُخَّت ليرات جديدة في السوق رفعت التضخم لاحقاً إلى أرقام فلكية.
وثّق مدققون دوليون (من بينهم شركة أوليفر وايمان) أن الجهاز المصرفي اللبناني أظهر فجوة رأس مال تتراوح بين 83 و100 مليار دولار.
2.3 دعم الاستيراد: استنزاف الثروة لصالح الاستهلاك
جانب مغفول في كثير من التحليلات: جزء كبير من دولارات المودعين لم يُسرق بالمعنى المباشر، بل أُنفق على دعم نمط حياة استهلاكي لا تتحمله قدرة الاقتصاد الحقيقي.
كان مصرف لبنان يضخ الدولارات في السوق لتثبيت سعر الصرف، ما سمح للمستوردين بشراء السلع الأجنبية — السيارات الفارهة، الأدوية، الوقود، الألبسة، الإلكترونيات — بأسعار مدعومة. هذه الدولارات خرجت إلى الخارج ولم تعد.
الاقتصاد اللبناني استهلك أكثر مما أنتج لعقود، والفرق موّله المودعون دون أن يعلموا.
الجزء الثالث: الهروب الكبير — من استفاد؟
3.1 تهريب الأموال قبيل الانهيار
مع نشوب انتفاضة 17 أكتوبر 2019، أغلقت المصارف أبوابها في وجه المودعين العاديين. لكن قبل أن يُغلَق الباب، وخلال أسابيع حاسمة، جرت تحويلات مليارية إلى الخارج استفاد منها المقرَّبون من المنظومة.
وثّقت دراسات أكاديمية وتقارير حقوقية (من بينها تقرير مبادرة الشفافية الدولية) أن مصارف لبنانية سمحت بتحويل ما يتراوح بين 6 و9 مليارات دولار من أموال “المحظيين” — سياسيين وأصحاب مصارف ورجال أعمال مرتبطين بالسلطة — إلى حسابات خارجية، في حين كان رجل الشارع يعجز عن سحب 200 دولار أسبوعياً.
هذه ليست مجرد ادعاءات؛ فقد أصدرت القضاء اللبناني مذكرات توقيف، وفتحت السلطات السويسرية والفرنسية تحقيقات في أموال مشبوهة ذات صلة بلبنان.
3.2 الاستنسابية في تطبيق القيود
ما جعل الأزمة مأساة مضاعفة هو الطابع الانتقائي في تطبيق قيود السحب. لم تكن القيود عادلة؛ فقد تمكَّن المحظيون من:
استثمار ودائعهم في شهادات إيداع بالليرة ثم رد أصولها بالدولار عبر ثغرات.
الاستفادة من استثناءات “العمليات التجارية الضرورية” التي فُسِّرت توسعياً.
استخدام شبكات علاقاتهم لانتزاع موافقات استثنائية من إدارات المصارف.
في المقابل، صاحب مشروع صغير أراد سحب 50 ألف دولار لتمويل بضاعته وجد نفسه أمام جدار من البيروقراطية والرفض.
الجزء الرابع: العوامل الهيكلية العميقة — ما لا تقوله الروايات الشعبية
4.1 الطائفية كعائق هيكلي للإصلاح
اتفاقية الطائف (1989) أرست نظام محاصصة طائفية في مؤسسات الدولة. هذا النظام لم يكن مجرد توزيع مناصب، بل كان توزيع “دولة” بمعنى الكلمة: كل طائفة تسيطر على وزارات معينة وتعتبرها امتداداً لنفوذها وموردها الاقتصادي.
النتيجة: أي إصلاح حقيقي في قطاع ما يعني المساس بمصالح طائفة ما، وهو ما يجعل التحالفات الإصلاحية شبه مستحيلة. الكهرباء مثال صارخ: كل حل يُقترح يصطدم بشبكة مصالح طائفية وسياسية تغذَّت من الوضع الراهن عقوداً.
4.2 الصدمات الخارجية: عوامل مُعجِّلة لا مُسبِّبة
ثمة ميل في الخطاب اللبناني لإلقاء المسؤولية على الصدمات الخارجية، وهي حقيقية لكنها مُعجِّلة لأزمة كانت بنيوية:
الحرب السورية (2011): أغلقت الممرات التجارية البرية مع دول الخليج، وخفَّضت الحركة التجارية البرية، وكلَّفت لبنان مليارات في خسارة الصادرات.
تراجع تحويلات الخليج: مع تباطؤ اقتصادات النفط وتوترات سياسية، تراجعت تحويلات الجاليات اللبنانية.
تداعيات الربيع العربي: انهيار السياحة في موجات متعاقبة.
جائحة كوفيد-19: ضربة قاضية لاقتصاد مأزوم أصلاً، إذ ضربت الطيران والضيافة في عام 2020.
لكن — وهذا جوهري — كل اقتصاد يواجه صدمات خارجية. ما يجعل لبنان مميزاً بالسوء هو غياب أي هامش للمناورة بسبب تراكم الدين وانعدام الاحتياطيات الحقيقية.
4.3 مسؤولية النخبة المودِعة
لا يمكن إغفال هذا البُعد المُزعج: قسم غير قليل من أصحاب الودائع الكبيرة — رجال أعمال ومهنيون ومقيمون في الخارج — كانوا يعلمون أو يشتبهون بأن الفوائد المرتفعة تنطوي على مخاطرة غير اعتيادية، لكنهم استمروا في إيداع أموالهم جرياً وراء العوائد. لا يُلغي هذا المسؤولية الجنائية للمصرفيين والسياسيين، لكنه يضيف بُعداً أخلاقياً واقتصادياً دقيقاً إلى المشهد.
الجزء الخامس: أين الأموال الآن؟ — تفكيك المصطلح
حين يُطرح السؤال “أين أموال المودعين؟”، يُخطئ من يتصور وجود حساب سري يخزن هذه الأموال. الحقيقة الأكثر إزعاجاً هي أن هذه الأموال أُحرقت في أبواب متعددة:
30-35% منها: ذهبت لتمويل عجز الدولة المتراكم (أجور، فوائد دين، نفقات تشغيلية).
20-25% منها: أُنفقت لدعم الاستيراد والحفاظ على وهم سعر الصرف المثبَّت.
15-20% منها: تبخَّرت في عمليات الهندسات المالية التي دفعت فوائد وهمية لعمليات سابقة.
10-15% منها: تحوَّلت إلى الخارج عبر عمليات مشروعة وغير مشروعة لأصحاب النفوذ.
5-10% منها: لا تزال في شكل أصول متجمِّدة (عقارات، توظيفات مالية معقَّدة) تنتظر قرارات قانونية وسياسية.
ما تبقَّى في الحسابات المصرفية هو ما اصطلح اللبنانيون على تسميته “اللولار” (Lollar) — دولار في السجلات، لكنه ليرة في الواقع؛ لا يمكن سحبه بالكامل، ولا تحويله، ولا الاعتماد عليه.
الجزء السادس: خطة التعافي — الممكن والمستحيل
6.1 ما يتطلبه التعافي الحقيقي
الاقتصاديون المتخصصون في أزمات الديون (من أمثال كارمن راينهارت وكينيث روغوف) يُجمعون على أن التعافي من أزمة كأزمة لبنان يتطلب حتماً توزيع الخسائر على الأطراف التالية:
المساهمون في المصارف: من المفترض أن يخسر حاملو الأسهم استثماراتهم كلياً أو جزئياً قبل أن يتحمَّل المودعون أي خسارة.
الدائنون الكبار: الودائع الكبيرة (فوق 500 ألف دولار) تتحمَّل جزءاً من الخسارة.
الدولة اللبنانية: عبر بيع أصول عامة، وإصلاح ضريبي، وتقليص الهدر.
الدائنون الدوليون: إعادة هيكلة الدين الخارجي (اليوروبوند) بقسط من الخسارة.
6.2 لماذا يتعثَّر التعافي؟
مضى على بدء الأزمة أكثر من ست سنوات، ولا تزال خطة التعافي الشاملة بعيدة المنال. الأسباب بنيوية لا عَرَضية:
أولاً: أصحاب المصارف هم في الوقت ذاته جزء من المنظومة السياسية، وليس في مصلحتهم القبول بخسائر تطال ثرواتهم.
ثانياً: كل طرف سياسي يريد تحميل الطرف الآخر الخسارة، فيما المودع العادي يدفع الثمن.
ثالثاً: اتفاق مع صندوق النقد الدولي — شرط أساسي لأي مساعدة دولية — يتطلب إصلاحات بنيوية تمسّ مصالح النخبة السياسية.
رابعاً: غياب إرادة سياسية جامعة لمواجهة الأزمة بصدق مع المواطنين.
6.3 التجارب الدولية: ماذا نتعلَّم؟
قارن المحللون أزمة لبنان بأزمات سابقة:
قبرص 2013: طُبِّق “بيل-إن” (Bail-in) واضح: خسر أصحاب الودائع الكبيرة جزءاً من أموالهم مقابل أسهم في المصارف. مؤلم لكنه حسم الغموض.
الأرجنتين 2001: أعلنت التخلف عن سداد ديونها وعانت سنوات عجاف، لكنها تعافت تدريجياً.
آيسلندا 2008: تركت مصارفها تنهار، لاحقت المصرفيين قانونياً، وتعافت بسرعة لافتة.
القاسم المشترك: الوضوح والحسم. ما يميز لبنان بالسلب هو استمرار الغموض المتعمَّد الذي يُبقي على مصالح النخبة ويُرجئ الحساب.
خلاصة: الدرس البنيوي
الأزمة اللبنانية ليست حادثة استثنائية، بل هي نتيجة منطقية لمنظومة سياسية-اقتصادية بُنيت على الريع لا على الإنتاج، وعلى المحاصصة لا على الكفاءة، وعلى الاستهلاك لا على الاستثمار.
أموال المودعين لم تختفِ بفعل سحر، بل:
أُحرقت في آلة دولة تعيش بما لا تملك.
تبخَّرت في هندسات مالية دفعت فوائد وهمية من رأس المال.
خرجت لدفع ثمن استيراد سلع استهلاكية لا ينتجها الاقتصاد.
هُرِّبت على يد من يملكون النفوذ والمعلومات.
المأساة الأعمق أن الحل معروف اقتصادياً لكنه مُعطَّل سياسياً. ما لم تتفكك منظومة المصالح المتشابكة بين المال والسلطة، سيبقى المودع اللبناني — وأطفاله — يحمل فاتورة جريمة لم يرتكبها.
مصادر ومراجع أساسية
البنك الدولي: Lebanon Economic Monitor — Lebanon Sinking (to the Top 3) (2021)
صندوق النقد الدولي: Lebanon — Staff Report and Selected Issues (متعدد السنوات)
Reinhart, C. & Rogoff, K.: This Time Is Different — Eight Centuries of Financial Folly (2009)
Diwan, I. & Haidar, J.: The Lebanese Crisis: Causes, Consequences, and the Path Forward (2021)
مبادرة الشفافية الدولية: تقارير الشفافية المالية في لبنان
مجلس النواب اللبناني: تقارير لجنة المال والموازنة (2019-2023)
أوليفر وايمان (Oliver Wyman): Bank Diagnostic Study — Lebanon (2020)















عذراً التعليقات مغلقة