بقلم تادي عواد
في خضم التوترات المتصاعدة حول الملف النووي الإيراني، أثار استخدام الرئيس دونالد ترامب لمصطلح “الغبار النووي” موجة من السخرية في بعض الأوساط الإعلامية. غير أن هذا المصطلح، بعيداً عن التبسيط أو الزلة اللفظية، يشير إلى مفهوم علمي بالغ الأهمية في عالم الأمن النووي: الطب الشرعي النووي.
ما يُقصد بـ”الغبار النووي” هو بقايا مادية دقيقة تنتج عن تدمير منشآت نووية، ويمكن تحليلها مخبرياً لاستخراج معلومات دقيقة حول مصدر المواد الانشطارية. هذه العينات، رغم ضآلتها، قد تحمل أدلة حاسمة قادرة على إعادة رسم خريطة انتشار اليورانيوم في العالم.
العلم الذي لا يكذب
الطب الشرعي النووي (Nuclear Forensics) هو فرع علمي متقدم يُستخدم من قبل الوكالات الدولية لتحديد منشأ المواد النووية. يعتمد هذا العلم على تحليل نسب النظائر المشعة مثل اليورانيوم-235 واليورانيوم-234، إضافة إلى عناصر نادرة تترك بصمة جيوكيميائية مميزة لكل منجم.
بعبارة أبسط، كل منجم يورانيوم في العالم يملك “توقيعاً كيميائياً” خاصاً به، لا يمكن تزويره بسهولة.
تُستخدم تقنيات متقدمة مثل قياس الطيف الكتلي والتحليل بتنشيط النيوترونات لفك هذا التوقيع، ما يسمح بتحديد الموقع الجغرافي للمنجم ونوع الخام وحتى الفترة الزمنية لاستخراجه
وقد استُخدمت هذه التقنيات سابقاً في ربط مواد نووية بشبكات تهريب، أبرزها شبكة العالم الباكستاني عبد القادر خان.
صفقة “يورانيوم 1”: الخلفية المثيرة للجدل
لفهم السياق السياسي، لا بد من العودة إلى عام 2010، حين تمّت الموافقة على صفقة استحواذ شركة روسية تابعة لـ Rosatom على شركة Uranium One، التي كانت تمتلك حقوق استخراج اليورانيوم في الولايات المتحدة.
هذه الصفقة مرّت عبر لجنة حكومية أمريكية تُعرف بـ CFIUS، والتي كانت تضم ضمن أعضائها وزيرة الخارجية آنذاك هيلاري كلينتون، وذلك خلال ولاية الرئيس باراك أوباما.
لاحقاً، أثار كتاب Clinton Cash جدلاً واسعاً، بعد أن أشار إلى تلقي مؤسسة كلينتون تبرعات من جهات لها ارتباطات بالصفقة. لكن، ورغم التحقيقات، لم يتم إثبات وجود علاقة قانونية مباشرة بين هذه التبرعات وقرار الموافقة على الصفقة.
بين السياسة والاتهام
الجدل الحقيقي لا يكمن في الصفقة بحد ذاتها، بل في الربط السياسي بينها وبين الملف النووي الإيراني.
يطرح بعض المنتقدين تساؤلات حول تزامن حدثين مهمين: الموافقة على صفقة Uranium One وتوقيع الاتفاق النووي مع إيران (JCPOA) عام 2015 وقد خضعت القضية لتحقيقات من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) والكونغرس، دون توجيه أي اتهامات جنائية.
هل يمكن للغبار أن يفضح الحقيقة؟
النقطة الأكثر حساسية اليوم تتمثل في فرضية يجري تداولها في بعض الأوساط السياسية:
ماذا لو كشفت تحاليل “الغبار النووي” من منشآت إيرانية مدمرة أن اليورانيوم المستخدم يحمل بصمة تعود إلى مصادر مرتبطة بـ Uranium One؟
علمياً، هذا السيناريو ممكن، لكنه معقد.
فبعد عمليات التخصيب والمعالجة الكيميائية، تصبح عملية تتبع المصدر أكثر صعوبة، إذ قد تختفي بعض البصمات الجيوكيميائية. كما أن إيران لم تعتمد على مصدر واحد، بل حصلت على مواد وتقنيات من عدة جهات، بما فيها شبكات تهريب تاريخية ومصادر محلية.
الخلاصة: بين الحقيقة والتكهن
ما هو مؤكد علمياً هو أن الطب الشرعي النووي أداة دقيقة وقادرة على كشف مصادر المواد النووية
تحليل “الغبار النووي” يمكن أن يغيّر مسار التحقيقات الدولية
لكن ما لم يُثبت حتى الآن هو وجود أي صلة مباشرة بين Uranium One واليورانيوم الإيراني
تورط أي مسؤول أمريكي في نقل مواد نووية إلى إيران
وبالتالي، يبقى هذا الملف في منطقة حساسة بين العلم والسياسة فالعلم قد يقدّم الأدلة، لكن تفسيرها واستخدامها سيظل خاضعاً لصراع المصالح.
في النهاية، قد تكون الحقيقة مدفونة في جزيئات دقيقة من الغبار…
لكن عندما تُحلل تلك الجزيئات بدقة، فإنها قد تصبح أخطر من أي سلاح.















عذراً التعليقات مغلقة