تحت المجهر

إيران والتفكك الصامت: حين تصبح الجغرافيا نفسًا لا أرضًا

“مقالتي هذه مبنية على مقال قرأته في أساس ميديا، للكاتبة ملاك جعفر عباس بعنوان: إيران الديكتاتورية التوافقية”

لم تعد الدول تُقاس فقط بحدودها المرسومة على الخرائط، بل بما يتشكّل داخلها من خرائط غير مرئية؛ خرائط النفوذ، والهيبة، والخوف، والولاء.

ما يمكن تسميته بـ”الجغرافيا النفسية” التي تتجاوز الجغرافيا الطبيعية والإدارية، وتعيد تشكيل الدولة من الداخل دون إعلان.

في هذا السياق، يبرز توصيف إيران كنموذج لـ”ديكتاتورية توافقية” لا بوصفه تعبيرًا نظريًا، بل كقراءة لبنية حكم تتوزع فيها السلطة بين مراكز قوة متعددة؛ تتقاطع مصالحها بقدر ما تتصادم.

ليس ثمة مركز قادر على الحسم الكامل، ولا أطراف قادرة على الانفصال. إنها حالة توازن قلق، تُدار عبر التسويات لا القرارات.

هذا النوع من الأنظمة لا يُنتج وحدة صلبة، بل شبكة نفوذ.

لكل طرف مجاله، ليس بالضرورة جغرافيًا، بل نفسيًا: مناطق يُعرف فيها من يملك الكلمة، ومن لا يملكها. وهنا تكمن الخطورة. فالتقسيم الإداري يمكن تعديله، أما التقسيم النفسي فيصعب تفكيكه، لأنه يسكن الوعي قبل الأرض.

حين تتوزع السلطة بهذا الشكل، تتحول الدولة من هرم إلى شبكة، ومن قرار إلى نتيجة تفاوض.

ويصبح الحكم أقرب إلى إدارة توازنات داخلية منه إلى بناء مشروع وطني.

في مثل هذه الحالات، تتجه القوة إلى الداخل، لضبط الإيقاع ومنع الانفجار، لا إلى الخارج لبناء النفوذ.

لكن المفارقة أن الانكفاء الداخلي لا يعني دائمًا غيابًا خارجيًا، بل قد يتحول الخارج إلى امتداد للأزمة الداخلية، يُستخدم لتوحيد الصفوف أو تأجيل الانقسام. وهكذا، لا تغيب الدولة عن محيطها، بل تحضره بطريقة مضطربة، غير حاسمة، ومليئة بالتناقض.

التاريخ القريب يقدم مثالًا واضحًا، فبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، لم تختفِ آثار الدولة المنهارة، بل بقيت كامنة في الذاكرة والنفوذ، وبعد ثلاثة عقود، عادت إلى السطح في الحرب الروسية الأوكرانية، لا كحادث مفاجئ، بل كنتيجة لتراكمات لم تُحل.

ما يُدفن في خرائط السياسة، يبقى حيًا في خرائط الوعي.

المسألة نفسها قد تُطرح في سياقات أخرى. فالدول التي تعيش توازنات داخلية هشّة، قد لا تنهار فورًا، لكنها تؤجّل صراعاتها. ومع مرور الزمن، يظهر جيل جديد لا يحمل ذاكرة التوازنات القديمة، ولا يقبلها.

جيل يرى التفاوت بوضوح، ويرفض أن تكون بعض مناطق الدولة قوية وأخرى ضعيفة، بعض مواطنيها محميين وآخرون مهمّشين.

هذا الجيل لا يتجه مباشرة إلى الانفصال، بل يبدأ بالمطالبة بإعادة تعريف الدولة نفسها: من يحكم؟ كيف؟ ولمصلحة من؟ لكن إن فشلت الدولة في الإجابة، يصبح البحث عن بدائل أكثر جذرية احتمالًا قائمًا.

تجربة العراق بعد سقوط نظامه السابق تقدّم نموذجًا آخر: دولة بقيت موحّدة شكليًا، لكنها موزعة النفوذ، ضعيفة الثقة، تعيش على توازنات دقيقة بين مكوناتها. لم يحدث الانفصال الكامل، لكن الدولة لم تستعد تماسكها أيضًا. إنها حالة بين بين: لا انهيار ولا استقرار.

في مثل هذه البيئات، لا يكون السؤال: هل ستتفكك الدولة؟ بل: كيف ستُعاد صياغتها؟ هل عبر إصلاح داخلي؟ أم عبر صراع؟ أم عبر تحولات بطيئة تعيد توزيع القوة دون إعلان؟

إيران، في حال انتقالها إلى نموذج توافقي داخلي غير محسوم، قد تواجه هذا النوع من الأسئلة.

ليس بالضرورة أن تنكفئ أو تنهار، لكنها قد تدخل مرحلة من الغموض: حضور خارجي غير حاسم، وداخل يتراكم فيه التوتر بصمت.

في النهاية، الخطر ليس في التفكك المعلن، بل في ذلك الذي يحدث دون ضجيج. حين تنقسم الدولة في وعي أبنائها قبل أن تنقسم على الأرض، يصبح إصلاحها أكثر تعقيدًا، لأن ما يحتاج إلى ترميم ليس الحدود، بل الثقة نفسها.

#عمر_سعيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى