تحت المجهر

إيران بعد سقوط النظام: قراءة في الخريطة القومية وبنية القوة العسكرية

بقلم تادي عواد

في الحسابات الاستخباراتية، لا يُنظر إلى سقوط الأنظمة العقائدية الصلبة بوصفه نهاية للأزمة، بل بداية لمرحلة أكثر تعقيدًا، تتمثل في الفراغ السلطوي وإعادة تشكّل موازين القوة داخل الدولة. هذا التقدير ينطبق بدرجة كبيرة على الحالة الإيرانية، حيث لا يقوم النظام على حكومة مركزية فقط، بل على منظومة أمنية – عقائدية – اقتصادية متشابكة تقودها مؤسسات مثل الحرس الثوري الإسلامي وشبكة التعبئة الشعبية قوات الباسيج.

في مثل هذه الأنظمة، لا يعني سقوط القيادة السياسية انتقالًا سلسًا للسلطة، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة ميدانية داخلية تعيد رسم الخريطة السياسية والعسكرية للدولة. وفي إيران تحديدًا، تتداخل هذه المعادلة مع عامل آخر بالغ الحساسية: التنوع القومي والديني الواسع الذي يشكل بدوره أحد مفاتيح فهم سيناريوهات ما بعد النظام.

إيران: دولة متعددة القوميات

رغم الصورة الرسمية التي تقدم إيران كدولة متجانسة، فإن الواقع الديمغرافي مختلف. فالفرس يشكلون الأغلبية، لكنهم يتقاسمون البلاد مع قوميات كبيرة تمتلك هويات ثقافية ولغوية متميزة.
من أبرز هذه القوميات:
الأكراد في غرب البلاد
الأذريون في الشمال الغربي
العرب الأحوازيون في الجنوب الغربي
البلوش في الجنوب الشرقي
التركمان في الشمال الشرقي
إضافة إلى مجموعات مثل اللُّر والقشقاي
هذا التنوع لا يمثل بالضرورة تهديدًا للدولة في الظروف الطبيعية، لكنه يتحول إلى عامل عدم استقرار كبير عندما تضعف السلطة المركزية.

بؤر النزعة الانفصالية

في التحليل الاستخباراتي، تُصنّف بعض المناطق الإيرانية كـ“مناطق هشاشة استراتيجية”، حيث تتداخل الهوية القومية مع التوترات الاقتصادية والسياسية.
الأكراد في غرب إيران يمثلون أحد أكثر الملفات حساسية، إذ تمتلك الحركات الكردية تاريخًا طويلًا من التمرد المسلح، كما أن موقعها الجغرافي المتصل بالمناطق الكردية في العراق وتركيا وسوريا يمنحها عمقًا استراتيجيًا.
أما البلوش في إقليم سيستان وبلوشستان فيعيشون في منطقة فقيرة ومهمشة اقتصاديًا، وغالبًا ما تشهد نشاطًا لجماعات مسلحة مثل جيش العدل.
وفي الجنوب الغربي، يعيش العرب الأحوازيون في إقليم خوزستان، وهي منطقة شديدة الأهمية لأنها تحتوي على القسم الأكبر من الثروة النفطية الإيرانية. وقد ظهرت فيها تنظيمات قومية مثل حركة النضال العربي لتحرير الأحواز.
في المقابل، يشكل الأذريون أكبر أقلية قومية في إيران، ويتركزون في مدن مثل تبريز وأردبيل. ورغم وجود دعوات ثقافية أو سياسية للارتباط بجمهورية أذربيجان، فإن النزعة الانفصالية بينهم تبقى محدودة مقارنة بمناطق أخرى.

البنية العسكرية للنظام

لفهم كيفية تطور أي صراع داخلي محتمل، لا بد من النظر إلى الخريطة الاجتماعية داخل المؤسسة العسكرية، ولا سيما داخل الحرس الثوري.
منذ قيام الثورة الإيرانية 1979، تشكل الحرس الثوري كجهاز موازٍ للجيش التقليدي، يجمع بين الدور العسكري والأمني والاقتصادي. ومع مرور الوقت، تحول إلى العمود الفقري للنظام.
القيادة العليا للحرس جاءت تاريخيًا من مدن دينية وسياسية مثل:
قم
أصفهان
مشهد
وهذه المدن شكلت ما يمكن وصفه بـ النواة العقائدية الصلبة للنظام.
لكن داخل المؤسسة العسكرية نفسها توجد أيضًا شبكات اجتماعية وقبلية، أبرزها شبكات اللُّر والبختيارية في جبال زاغروس، وهي مجموعات عُرفت تاريخيًا بتقاليدها القتالية وانتشارها في الجيش والحرس.
في المقابل، يبقى تمثيل القوميات المتمردة تقليديًا – مثل الأكراد والبلوش – محدودًا داخل الحرس الثوري، وهو ما قد يسرّع تحول مناطقهم إلى مراكز تمرد سريع إذا انهارت السلطة المركزية.

الباسيج: القوة الاجتماعية المسلحة

إلى جانب الحرس الثوري، يعتمد النظام على شبكة التعبئة الشعبية المعروفة باسم الباسيج. هذه القوة شبه العسكرية منتشرة في معظم المدن والقرى، وتضم ملايين الأعضاء المرتبطين أيديولوجيًا بالنظام.
في سيناريو الاستقرار، تعمل الباسيج كأداة للضبط الداخلي. أما في سيناريو الانهيار، فقد تتحول إلى ميليشيات محلية تدافع عن مناطقها أو ولاءاتها.

سيناريو ما بعد النظام

من منظور استخباراتي، السيناريو الأكثر ترجيحًا في حال انهيار النظام ليس انتقالًا سياسيًا منظمًا، بل صراعًا متعدد المستويات.
قد يبدأ الصراع بمحاولة السيطرة على العاصمة ومؤسسات الدولة، ثم ينتقل سريعًا إلى صراع على مناطق النفوذ في الأطراف، حيث يمكن أن تتحول مناطق الأكراد والبلوش والأحواز إلى بؤر توتر مسلح.
الخطر الأكبر لا يكمن فقط في التمردات الإقليمية، بل في احتمال انقسام داخل الحرس الثوري نفسه. ففي حال ظهور فصائل عسكرية متنافسة، قد تتحول إيران إلى مسرح صراع داخلي شبيه بما حدث بعد انهيار الدولة في ليبيا أو بعد سقوط النظام في العراق.

الخلاصة

إن استقرار النظام الإيراني يعتمد على تماسك ثلاث طبقات رئيسية: القيادة الدينية، الحرس الثوري، وشبكة الباسيج الشعبية. طالما بقيت هذه الطبقات موحدة، يبقى النظام قادرًا على احتواء التوترات القومية والدينية داخل الدولة.
أما إذا تزعزع هذا التماسك، فإن التعدد القومي في إيران قد يتحول من عامل تنوع اجتماعي إلى محرك رئيسي لإعادة رسم الخريطة السياسية والعسكرية للبلاد.
وفي تلك اللحظة، لن تكون المعركة سياسية فقط، بل ميدانية أيضًا، حيث سيُعاد تشكيل مسرح العمليات داخل إيران نفسها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى