اخبار العالمرأي حر

فبركة الأرقام وبيع الأوهام… وجه آخر لخطاب رضا بهلوي

بقلم: موسى أفشار

تظهر مراجعة خطاب رضا بهلوي في السنوات الأخيرة صورة منهجية تقوم على التلاعب بالواقع الرقمي والسياسي أكثر مما تقوم على تمثيل آمال الشارع الإيراني. فالموجة الظاهرية لـ«محبة السلطنة» في الفضاء الافتراضي لا تبدو تعبيراً عفوياً عن رغبة اجتماعية، بل نتيجة حملة معمَّرة بعناية، وظِّفَتْ فيها حسابات وهمية ومحتوى مكرَّر وأدوات رقمية متقدمة لتضخيم حضور وجه واحد وفرضه قسراً كقائد للمعترضين. هذه الحملة لا تستهدف تقوية صورة بهلوي فحسب، بل قبل كل شيء شق صفوف المعارضة وتشويه رسالة الانتفاضة الديمقراطية وتصغيرها إلى نوستالجيا عودة السلطنة الوراثية.

في قلب هذا المشروع محاولة ربط انتفاضة الشعب الإيراني الواسعة متعددة الطبقات بشخص واحد هو في حد ذاته شخصية تفريقية لشرائح واسعة من المجتمع. في حين يرفض جيل المتظاهرين الجديد كلا شكلي الاستبداد – الديني والملكي – بشعارات مثل «لا سلطنة ولا قيادة، ديمقراطية ومساواة» و«الموت للظالم سواء كان شاهاً أو قائداً»، تسعى آلة الدعاية البهلوية لتصغير هذا الحراك إلى «حركة عودة الشاه». هذا هو خطف السرد بالضبط: انتزاع ملكية الشعب لمعنى انتفاضتهم وسلمها لمشروع شخصي يرضي الأذواق الخارجية.

التزييف لا يقتصر على الأرقام والهاشتاغات بل امتد إلى أخطر مستويات السياسة. عندما تجاوز رضا بهلوي في هامش مؤتمر ميونيخ الأمني مجرد نقد الجمهورية الإسلامية ودعا الولايات المتحدة صراحة لقبول التدخل العسكري واصفاً إياه بـ«طريق إنقاذ الأرواح»، عَبَرَ خطاً أحمراً أخلاقياً وسياسياً. خبرة عقود من الحروب «باسم الحرية» أثبتت أن صواريخ الكروز لا تجلب الديمقراطية، بل تحمل حالة الطوارئ والعسكرة والانهيار الاقتصادي وتمكين أشرار الشدة لا المواطنين الجاهزين لإعادة البناء الديمقراطي.

في مثل هذا السياق استخدام مصطلحات الحرية وحقوق الإنسان لا يشكل معياراً للطابع الديمقراطي لمشروع سياسي. سياسة المعارضة لا تصبح «شريفة» لمجرد وقوفها أمام نظام قمعي، كما أن الدعوة العلنية لهجوم خارجي بأي اسم لا يمكن تبريرها بادعاء «إنقاذ الشعب». في كل مرة يتحدث فيها وجه معارض بلغة التدخل العسكري يقدم أبسط الهدايا لأجهزة الأمن: تثبيت رواية «المعارضة تعني مؤامرة خارجية»

هذا الجمع بين البعدين – فبركة الأرقام والصور في الفضاء الافتراضي، وتطبيع فكرة الحرب كحل – يكشف أن المسألة ليست مجرد كذبات دعائية بل بناء حزمة كاملة من الأوهام: قيادة افتراضية بجيش من الحسابات المزيفة، دعم وهمي بالملايين، وحل يهبط من السماء بصواريخ. أمام مثل هذا المشروع لا يجب على الصوت المسؤول في المعارضة التنافس على عرش خيالي أو استمالة المزيد من القذائف، بل الوقوف إلى جانب الناس العاديين الذين يقاتلون في شوارع إيران في الوقت نفسه ضد الاستبداد الديني وإعادة إنتاج السلطنة الوراثية ويبحثون عن الحرية ليس في ظل الطائرات بدون طيار بل في التنظيم والمساواة والديمقراطية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى