اخبار العالم

انتفاضة إيران تحت الحصار الرقمي: صرخات الأمهات تتحدى الرصاص وإجماع أممي على إدانة النظام

مع دخول الانتفاضة الوطنية في إيران أسبوعها الثالث وسط تعتيم رقمي شامل وقطع شبه كامل لشبكة الإنترنت، تتسارع الأحداث بشكل دراماتيكي على ثلاثة مستويات متوازية. في الداخل، يواصل المنتفضون تحدي آلة القمع بشعارات “غسل الدم بالدم”، بينما يواجه النظام عزلة دولية خانقة تجسدت في جلسة طارئة لمجلس حقوق الإنسان ومشروع قرار أممي يدينه. وعلى الصعيد العسكري، تنذر التحركات البحرية الأمريكية وتحذيرات الرئيس دونالد ترامب، إلى جانب دعوات موسكو لرعاياها بعدم السفر، بأن الوضع في طهران وصل إلى نقطة اللاعودة، مما يعيد للأذهان أجواء سقوط الأنظمة السابقة.

 المشهد الداخلي.. غليان الثورة واختراق جدار الصمت

رغم محاولات النظام الإيراني خنق صوت الشارع عبر قطع الإنترنت للأسبوع الثاني على التوالي، فإن أخبار القمع والبطولة تتسرب قطرة بقطرة، راسمة مشهداً لانتفاضة لا تعرف التراجع.

“احكم الآن على دماء أبنائنا”.. صرخة أم دانيال

في مشهد اختزل مأساة وغضب ملايين الإيرانيين، تحولت مراسم تأبين الشاب “دانيال دياني” إلى مظاهرة غاضبة ضد رأس النظام. دانيال، البالغ من العمر 24 عاماً، والذي ارتقى برصاص مباشر من قوات الباسيج التابعة لـ “حرس النظام” خلال انتفاضة 8 يناير في كرمان، ووري الثرى يوم 10 يناير.

خلال المراسم، وقفت والدة دانيال محتضنة صورة ابنها، وصرخت بأعلى صوتها موجهة كلامها للمرشد الأعلى: “يا خامنئي الجلاد، احكم الآن على دماء أبنائنا!”. هذه الصرخة لم تكن مجرد رثاء، بل تحولت في لحظات إلى شعار جديد وهتاف (المطالبة بالعدالة) تردد صداه في أوساط عائلات الضحايا، مؤكداً أن دماء القتلى باتت الوقود المحرك لاستمرار الثورة.

رسائل التحدي من قلب التعتيم

رغم القيود الأمنية الخانقة، نجح “الشباب الثوار” في إرسال رسائل قصيرة ومقتضبة من داخل المدن المحاصرة يوم الخميس 22 يناير، تؤكد أن السيطرة الأمنية للنظام هي محض وهم:

  • من أراك: “أبلغوا العالم أننا ما زلنا موجودين، لم ننطفئ، ومستمرون بقوة حتى النصر”.
  • من كرمان: رسالة ثأرية واضحة: “نحن نغسل الدم بالدم، ولن نسمح بأن تذهب دماء أبناء الوطن هدراً”.
  • من شيراز: “أخبروا الجميع أن الناس لم يعودوا يخافون من شيء.. نحن ننتصر، أشعر بالقوة والأمل في وجودي”.
  • من أصفهان: “الوقت ليس للعزاء، بل للاستمرار”.
  • من بندر عباس: “سأقدم روحي ليرى البقية النصر ويزغردوا بعد الحرية”.
  • من بيرجند: تأكيد على الحضور التنظيمي للمقاومة: “في هذه الانتفاضة، راية مجاهدي خلق مرفوعة عالياً”.
    هذه الرسائل تؤكد فشل استراتيجية “الأرض المحروقة” وقطع الاتصالات في كسر إرادة المنتفضين.

الحراك الحقوقي والدولي.. العالم يحاصر النظام

بالتوازي مع الغليان الداخلي، يشهد الملف الحقوقي للنظام الإيراني تدويلاً غير مسبوق، حيث باتت الانتهاكات موضع فحص دقيق من أعلى الهيئات الأممية والأوروبية.

جلسة طارئة لمجلس حقوق الإنسان ومشروع قرار من 23 دولة

يعقد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، اليوم الجمعة، جلسة خاصة لمناقشة التدهور الخطير في أوضاع حقوق الإنسان في إيران. وفي خطوة دبلوماسية لافتة، قدمت 23 دولة (بينها ألمانيا، بريطانيا، السويد، بلجيكا، إسبانيا، وأوكرانيا) مسودة قرار تدين القمع الوحشي للنظام.

هذا التحشيد الدولي يعكس نفاد صبر العواصم الغربية تجاه طهران، ويؤسس لآلية محاسبة دولية قد تطال قادة النظام وقيادات “قوات الحرس”.

تقارير المنظمات الدولية: “استخدام مفرط للقوة”

أصدرت “المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب” بياناً شديد اللهجة، أكدت فيه أن خبراء الأمم المتحدة يراجعون أدلة موثوقة تثبت استخدام قوات أمن النظام “قوة مفرطة وغير متناسبة” أدت لانتهاك حق الحياة.

وأشارت المنظمة إلى أنه رغم قطع الإنترنت الذي يعيق التوثيق، فإن التقارير تؤكد مقتل واعتقال وإصابة الآلاف، بمن فيهم أطفال، بشكل غير قانوني. وأكد “المجلس الدولي لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب” (شبكة تضم 176 مركزاً في 80 دولة) انخراطه في التحقيقات الجارية حول القمع.

تضامن أوروبي: “أكثر من مجرد تعاطف”

في ستراسبورغ، وبالتزامن مع مظاهرات حاشدة لأنصار المقاومة الإيرانية، صرح رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي، جيرار لارشيه، بموقف متقدم قائلاً: “نحن نواجه حكاماً ودولة تقتل شعبها الذي يصرخ فقط من أجل الحرية”. وأضاف مخاطباً النساء الإيرانيات: “ما نقوم به في البرلمان الفرنسي يتجاوز التعاطف البسيط؛ إنه تضامن عميق وعملي مع معاناتكن”، داعياً البرلمانات الوطنية في الدول الديمقراطية إلى اتخاذ خطوات عملية مماثلة.

التحولات الإقليمية والعسكرية.. إنذار المواجهة والانهيار

لم يقتصر المشهد على الداخل وحقوق الإنسان، بل امتد ليشمل تحركات عسكرية جيوسياسية تنذر بتغييرات كبرى في المنطقة، مع تزايد المؤشرات على فقدان النظام لسيطرته الأمنية.

روسيا تحذر: “الوضع يشبه ثورة 1979”

في تطور لافت يعكس قلق حلفاء طهران من انهيار النظام، دعت وزارة الخارجية الروسية مواطنيها إلى الامتناع عن السفر إلى إيران. المتحدثة باسم الخارجية، ماريا زاخاروفا، ربطت العودة للسفر بعودة “الوضع الأمني إلى طبيعته”.

صحيفة “موسكو تايمز” كانت أكثر صراحة في عددها الصادر يوم الخميس، حيث ذكرت أن هذا التحذير جاء بعد مقتل الآلاف في الاحتجاجات، واصفة الأحداث بأنها “تذكر بالاضطرابات التي سبقت ثورة 1979″، في إشارة واضحة إلى قراءة موسكو لاحتمالية سقوط النظام الحالي.

حشود عسكرية أمريكية: “روزفلت” و”لينكولن” في المنطقة

على الصعيد العسكري، كشف تقرير لموقع “ناشونال إنترست” بتاريخ 21 يناير، عن دخول المدمرة الأمريكية “يو إس إس ثيودور روزفلت” إلى منطقة عمليات القيادة المركزية (سنتكام) في المنطقة. المدمرة المكلفة بمهام الأمن البحري تتمتع بقدرات هجومية واسعة وحماية لحاملات الطائرات.

وبالتزامن، تتحرك حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” من المحيط الهندي باتجاه المنطقة، مما يعني حشداً بحرياً ضخماً يشير إلى استعداد واشنطن لكافة السيناريوهات، بما في ذلك الانهيار المفاجئ للنظام أو ردع أي مغامرات عسكرية خارجية قد يلجأ إليها لتصدير أزمته.

تحذير نووي وتشريع ضد الديكتاتورية

في سياق متصل، وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال مقابلة مع CNBC في دافوس، تحذيراً مباشراً للنظام الإيراني بخصوص طموحاته النووية، مشيراً إلى الهجمات الجوية الواسعة التي استهدفت المنشآت النووية في يونيو 2025 . وقال ترامب بوضوح: “لا يمكنهم القيام بعمل نووي. إذا فعلوا ذلك، فإن ذلك الحدث (الهجوم) سيتكرر مرة أخرى”.

وفي واشنطن، دعا السيناتور ريك سكوت إلى تشريع قانوني يمنع تقديم المساعدات لـ “حلفاء الديكتاتوريين”، مشدداً على ضرورة منع الأنظمة القمعية مثل النظام الإيراني وأصدقائهم من تهديد الحرية أو دخول الولايات المتحدة.

تضع هذه التطورات المتلاحقة النظام الإيراني بين فكي كماشة: انتفاضة داخلية تزداد تجذراً وعنفاً وتحدياً لآلة القتل، وحصار دولي وعسكري يضيق الخناق عليه من الخارج. وبين صرخات أم دانيال في كرمان وتحذيرات ترامب في دافوس، يبدو أن عقارب الساعة في إيران تتحرك بسرعة نحو لحظة الحسم التاريخية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى