جنوب الليطاني: لماذا تفضّل إسرائيل حرب الإستنزاف على الاجتياح البرّي؟

شادي الياس
بعد مرور أكثر من عام على تصاعد المواجهات وتوقيع اتفاقات الهدنة، لا يزال سؤال يطرح نفسه، لماذا لم تُقدم إسرائيل، رغم تهديداتها المستمرة، على اجتياح برّي شامل لجنوب لبنان أو أقلّه لجنوب الليطاني؟ المراقب للمشهد الميداني يدرك أن قواعد الحرب المستمرّة تبدو غير هذا الطرح كليّاً، وأن مفهوم إنهاء الحرب لم يعد مرتبطاً بالضرورة بتحريك دبابات نحو العمق اللبناني.
تنطلق الرؤية الإسرائيلية الحالية من إدراك عميق بأن جنوب لبنان ليس مجرد جغرافيا أو سهول مفتوحة لأي طامع بإحتلالها، بل هو شبكة معقدة من الجبال والوديان الوعرة وأنفاق ومراكز قتالية تم تطويرها على مدار عقود، مما يجعل خوض حرب برّية للوصول إلى نهر الليطاني صعبة ومكلفة أو مستحيلة. هذا الخيار يتطلب حشداً عسكرياً ضخماً يتجاوز الـ 60 ألف جندي بحسب تقارير نشرت مؤخراً، وهو ما يعني مواجهة مباشرة مع مقاتلين كما حدث في معركة الخيام وغيرها من البلدات بالإضافة للصواريخ المضادة للدروع ووسائل قتالية مختلفة، مما سيؤدي إلى كلفة بشرية هائلة لا يتحمّلها المجتمع الإسرائيلي في ظل انقساماته الحالية وثوراته الداخلية المتجددة.
وبدلاً من هذا الإحتلال المكلف، اعتمدت تل أبيب إستراتيجية الإغتيالات الجديدة والعمليات الخاصة عبر وحدات تنفذ توغلات محدودة وخاطفة لتدمير أهداف نوعية ثم الانسحاب سريعاً. هذا النمط يحقق أهدافاً أمنية دون التورّط في إحتلال مدن أو قرى مأهولة، وهو ما يطلق عليه الخبراء العسكريون إسم التحكم عن بعد بالسيطرة النارية. كما أن مفعول اتفاق وقف إطلاق النار الموافق عليه دولياً وأمريكيّاً في نهاية 2024 فرض واقعاً جديداً، حيث منح إسرائيل غطاءً سياسياً لملاحقة أي تحركات عسكرية تحت ذريعة تطبيق القرارات الدولية، بينما قد ينسف أي إجتياح واسع هذا الغطاء ويضعها في مواجهة مع اليونيفيل والجيش اللبناني.
وفي سياق حروب القرن الحادي والعشرين، تجد القيادة الإسرائيلية أن تفوّقها الجوي والاستخباراتي يحقق نتائج استراتيجية تفوق التواجد البري التقليدي. فاستخدام الذكاء الاصطناعي في رصد الأهداف والاغتيالات الدقيقة جعل من الاجتياح البري خياراً قديماً وباهظ الثمن. يضاف إلى ذلك رهان سياسي يرى أن الضغوط الاقتصادية والسياسية داخل لبنان كفيلة بإضعاف نفوذ الفصائل المسلحة بمرور الوقت، في حين أن أي تدخل بري واسع قد يؤدي إلى نتيجة عكسية بتوحيد الجبهة الداخلية اللبنانية تحت شعار المقاومة.
يبدو في الختام أن إسرائيل استبدلت الاجتياح البري بـ “الخنق الاستراتيجي” والتعامل مع الوقت أو شرائه، فهي تكتفي حالياً بالسيطرة على تلال حدودية تمنحها تفوقاً نارياً وربما تصوير ومراقبة استخباراتية، بينما تترك الباقي للدبلوماسية المتعثرة والضربات الجوية، بانتظار ما ستؤول إليه التحوّلات الإقليمية الكبرى إن سقط النظام الإيراني أو غيره.




