حصان طروادة النسائي… عندما تُغلَّف الوصاية بثوب الحرية

MehdiReza13 سبتمبر 2026آخر تحديث :
الباحثة كنانة خلف الكردي

بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي

الحرية حق، والكرامة حق، والمساواة أمام القانون حق لا يمكن التراجع عنه. لكن النقاش الحقيقي يبدأ عندما ننتقل من المبادئ العامة للحقوق إلى بعض البرامج والمقاربات التي تتحدث باسم الحرية، وتحاول أحياناً تقديم نموذج اجتماعي واحد باعتباره الطريق الوحيد نحو التحرر والتقدم.

هنا تحديداً يجب أن نكون أكثر دقة.

لسنا ضد الحريات، ولسنا ضد حقوق المرأة أو الطفل، ولسنا ضد المساواة القانونية. على العكس، نحن بحاجة إلى ترسيخ هذه الحقوق داخل الدولة والقانون، بحيث يشعر كل مواطن أن كرامته مصانة، وأن القانون يحميه دون تمييز.

لكن في الوقت نفسه، لا يمكن التعامل مع المجتمع وكأنه صفحة بيضاء يمكن إعادة تشكيلها وفق نموذج مستورد، بمعزل عن تاريخه وثقافته وعاداته وتقاليده.

الحقوق شيء، وفرض نموذج اجتماعي جاهز شيء آخر.

من حق ابنتي أن تمتلك مساحة خاصة بها، وأن أحترم خصوصيتها، وأن أتعامل معها باعتبارها إنسانة لها شخصيتها وكيانها، لا مجرد تابع للأسرة، لكن هذا الحق لا يلغي دوري كأم.

إذا أخطأت ابنتي يوماً، فلن أبحث عن تبرير لخطئها تحت عنوان الحرية، ولن أتعامل معها في الوقت نفسه بمنطق القمع أو الإلغاء. سأحاورها، وأوجهها، وأتحمل مسؤوليتي في تربيتها، وأساعدها على فهم نتائج اختياراتها.

فالحرية التي لا تصنع مسؤولية تتحول بسهولة إلى فوضى، والسلطة التي لا تعرف الحوار تتحول إلى قمع ، ما نحتاجه هو المساحة الوسطى بين الاثنين.
نريد أبناءنا أحرارًا، لكن واعين.
نريدهم مستقلين، لكن مسؤولين.
نريد لهم خصوصيتهم، لكن ضمن بيئة أسرية تحميهم.

ونريد للوالدين دوراً تربوياً حقيقياً ، لا أن يتحولا إلى خصمين لأبنائهما في معركة مفتوحة باسم الاستقلالية.

مجتمعنا السوري له خصوصيته. فالعادات والتقاليد التي تشكلت عبر أجيال لم تكن دائماً مرتبطة بطائفة أو دين أو منطقة، بل هناك منظومة اجتماعية واسعة صنعتها الأسرة والعشيرة والجيرة والتكافل والاحترام المتبادل.

وبالطبع، ليست كل العادات صحيحة، وليست كل التقاليد مقدسة.

هناك ممارسات يجب أن تتغير عندما تتعارض مع القانون أو الكرامة الإنسانية أو حقوق الفرد. والتقدم الحقيقي يقتضي أن نراجع أخطاءنا بشجاعة.

لكن مراجعة العادات لا تعني إلغاء المجتمع، والإصلاح لا يعني اقتلاع الهوية.

نستطيع أن نتعلم من تجارب العالم، وأن نستفيد من النماذج القانونية والاجتماعية الناجحة، دون أن نفترض أن كل ما يأتي من الغرب يصلح بالضرورة لبيئتنا كما هو.

فالاقتباس الناجح ليس نسخاً.

والحداثة ليست قطيعة.

والانفتاح ليس ذوباناً.

نحن بحاجة إلى حقوق واضحة، وقوانين عادلة، ومؤسسات تحمي الإنسان، وفي الوقت نفسه بحاجة إلى أسرة متماسكة ومجتمع يعرف قيمته.

المعادلة ليست الأسرة في مواجهة الحرية، بل الأسرة شريك في صناعة الإنسان الحر والمسؤول.

ولا ينبغي أن نخاف من كلمة «حرية»، كما لا ينبغي أن نستخدمها لتجاوز كل الحدود.

الحرية الحقيقية تمنح الإنسان القدرة على الاختيار، لكنها تعلّمه أيضاً أن لكل اختيار نتيجة، ولكل حق مسؤولية، ولكل مجتمع خصوصية ينبغي احترامها.

لذلك، فإن موقفنا ليس رفضاً للحرية ولا اعتراضاً على حقوق الإنسان، وإنما دعوة إلى حرية واعية، ومساواة قانونية، وخصوصية محترمة، وتربية مسؤولة، وإصلاح اجتماعي ينبع من واقع المجتمع نفسه.

نريد أن تكون ابنتنا قادرة على أن تقول «هذا حقي»، وفي الوقت نفسه قادرة على أن تفهم «وهذه مسؤوليتي».

نريد مجتمعاً يحمي المرأة والطفل، ويحترم الفرد، ويحاسب المخطئ بالقانون، دون أن يهدم الأسرة أو يسخر من القيم الاجتماعية.

فالهدف ليس أن نختار بين الحرية والهوية؛ الهدف أن نبني مجتمعاً يستطيع أن يجمع بينهما.

نحن نفتح أبوابنا للعالم، ونتعلم منه، ونأخذ ما يناسبنا، ونرفض ما لا ينسجم مع واقعنا.

فالحرية التي نريدها ليست حرية الانفصال عن المجتمع، بل حرية الإنسان داخل مجتمع عادل، مسؤول، ومتوازن.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

الاخبار العاجلة