زلزال سياسي في المشرق – لبنان والعراق في قلب التحول الإقليمي بعد انحسار الهيمنة الإيرانية

MehdiReza22 أغسطس 2026آخر تحديث :
الباحثة كنانة خلف الكردي
الباحثة كنانة خلف الكردي

 

بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي

ليس كل اهتزاز في الشرق الأوسط زلزالاً، وليس كل تغير انقلاباً في موازين القوى. أحياناً تكون المسألة إعادة ترتيب هادئة لأحجار الشطرنج، يبقى معها شكل الرقعة قائماً، بينما تتغير مواقع اللاعبين وقواعد اللعبة.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة المشهد في لبنان والعراق؛ إذ تبدو الهيمنة الإيرانية أكثر تقييداً وكلفة، فيما تحاول الدولتان استعادة مساحة أوسع من القرار والسيادة.

في لبنان، لم يعد السؤال فقط: هل يستطيع حزب الله الاحتفاظ بسلاحه؟ بل أصبح: كيف يمكن إعادة تعريف موقع السلاح داخل الدولة؟

وهذا تحول جوهري؛ لأن جوهر المعركة لم يعد في عدد الأسلحة، بل في من يملك قرار الحرب والسلم؟ ومن يملك القرار السيادي؟

أما العراق، فالمعادلة أكثر تعقيداً. فإيران لم تفقد نفوذها، لكنها لم تعد بالضرورة قادرة على استخدامه بالسهولة نفسها. والعقدة الأساسية باتت تتمثل في قدرة الدولة العراقية على توحيد القرار الأمني والعسكري، بحيث لا تتحول البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

المسألة هنا ليست طرد إيران من العراق أو لبنان، فهذا استنتاج متسرع، بل إعادة تعريف نفوذها: من قدرة على إدارة ساحات كاملة إلى نفوذ يعمل داخل دول أكثر تعددية، وأكثر تمسكاً بفكرة السيادة.

وطوال سنوات، استفادت إيران من ضعف الدولة لتعظيم دور الوكلاء. أما الاتجاه الجديد فيدفع نحو معادلة معاكسة:

كلما استعادت الدولة مؤسساتها، تراجعت قدرة الفاعلين المسلحين على احتكار القرار.

وهنا تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية؛ فالولايات المتحدة تستخدم العقوبات والضغط السياسي، والدول العربية توسع حضورها، وتركيا تعيد بناء موقعها في المشرق، وإسرائيل تحاول منع إعادة إنتاج البنية العسكرية الإيرانية، بينما تسعى طهران إلى الحفاظ على أوراقها بأقل كلفة ممكنة.

لذلك قد لا تكون المعركة المقبلة حرباً شاملة، بل معركة على إعادة توزيع وظائف القوة:

من يملك السلاح؟
من يملك التمويل؟
من يقرر الحرب؟
ومن يملك الحدود والسياسة الخارجية؟

إذا نجح لبنان والعراق في جعل الدولة المرجعية الوحيدة للسلاح والقرار، فإن التحول لن يكون مجرد إضعاف لفصيل أو تراجع لنفوذ دولة، بل بداية لإعادة تعريف الدولة نفسها.

ولهذا فإن الأدق ليس القول إن إيران خرجت من لبنان والعراق، بل إن قدرتها على تحويل النفوذ إلى هيمنة مطلقة بدأت تتراجع.

إيران قد تبقى لاعباً، وقد تبقى لها حلفاء وشبكات نفوذ، لكن السؤال الحاسم هو:

هل تستطيع هذه الشبكات أن تبقى دولة داخل الدولة؟

إذا كانت الإجابة تتجه تدريجياً نحو «لا»، فنحن أمام لحظة استراتيجية جديدة.

ليست زلزالاً يهدم الرقعة، بل يداً إقليمية تعيد ترتيب أحجار الشطرنج قبل بدء جولة جديدة من اللعبة.

وفي الجولة المقبلة، لن يكون السؤال: من يملك أكبر عدد من الأحجار؟

بل:

من يملك القدرة على تحريكها دون أن يخسر الرقعة كلها؟

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

الاخبار العاجلة