لا تكشف حملة مكافحة الفساد الجارية في العراق مجرد فضائح مالية مرتبطة بأموال نقدية وسبائك ذهب وممتلكات فاخرة عُثر عليها في منازل مسؤولين وشخصيات نافذة. الأهم من ذلك أنها تفتح سؤالاً سياسياً أعمق: كيف تحوّل الفساد إلى منظومة محمية بالسلاح، وكيف صار المال العام وقوداً لشبكات نفوذ مرتبطة بالميليشيات والولاءات الخارجية؟
فما أُعلن عن توقيف عشرات الأشخاص، بينهم مسؤولون ونواب، ومصادرة مبالغ ضخمة ضمن ملفات فساد وتهريب، لا يشير إلى انحرافات فردية فحسب، بل إلى بنية كاملة نشأت في ظل ضعف الدولة وتغول السلاح خارج القانون. وفي هذه البيئة، لم يعد الفساد مجرد سرقة للمال العام، بل أصبح أداة لإدامة نفوذ سياسي وأمني يخدم قوى لا تريد للعراق أن يكون دولة مستقلة القرار.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن المشروع الذي بناه نظام ولاية الفقيه في العراق عبر الحرس الثوري وفيلق القدس والميليشيات التابعة لطهران. فقد كانت المعادلة واضحة: إضعاف الدولة، تقوية الفصائل، اختراق الاقتصاد، واستخدام المال العام وشبكات التهريب لتمويل نفوذ يخدم طهران أكثر مما يخدم بغداد. لذلك فإن مكافحة الفساد لن تكون جدية إذا توقفت عند اعتقال بعض الأسماء، من دون الاقتراب من أصل الشبكة: المال السياسي، السلاح المنفلت، تهريب الدولار والنفط، ودوائر القرار المحمية بولاءات عابرة للحدود.
وتكتسب هذه التطورات دلالة إضافية مع تزامنها مع زيارة عباس عراقجي إلى بغداد. فحتى لو لم يكن التزامن دليلاً مباشراً، فإنه يعكس حساسية اللحظة؛ إذ تأتي الزيارة في وقت تهتز فيه بعض شبكات النفوذ المرتبطة بالميليشيات والتمويل غير المشروع. وهذا يطرح سؤالاً حاسماً: هل يتجه العراق فعلاً إلى استعادة سيادته، أم سيبقى ساحة مفتوحة لمساومات طهران وضغوط وكلائها؟
لقد حذرت منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، منذ السنوات الأولى بعد احتلال العراق، من تغلغل شبكات النظام الإيراني داخل البلاد، وكشفت قوائم واسعة لعناصر ومرتزقة قوة القدس. كما وثّقت في ملفات قانونية قضية نهب ومصادرة ممتلكات مجاهدي خلق في أشرف وليبرتي، بما يثبت أن ما يظهر اليوم ليس حادثاً جديداً، بل امتداد لمسار طويل من الاعتداء والنهب والتدخل.
ومن هنا يصبح الحديث عن أي مراسم رمزية لجثمان خامنئي في المدن المقدسة العراقية استفزازاً سياسياً وأخلاقياً. فكيف يمكن لبلد تكشف مداهماته اليوم حجم الأموال المسروقة وشبكات الفساد المحمية بالميليشيات، أن يتحول في الوقت نفسه إلى منصة لتكريم رأس المشروع الذي ساهم في إضعاف الدولة ونهب المجتمع؟ هذه المدن ليست ملكاً للفصائل، ولا يجوز استخدامها لتبييض تاريخ نظام تلطخت يده بدماء العراقيين والإيرانيين.
العراق اليوم أمام اختبار حقيقي. فإما أن تتحول حملة مكافحة الفساد إلى بداية لاستئصال جذور النهب والج#ريم*ة السياسية، وإما أن تبقى مجرد اعتقالات محدودة تنتهي بتسويات داخلية. البداية الصحيحة تكون بملاحقة الأموال المنهوبة، وقطع مصادر تمويل الجماعات المسلحة، وحصر السلاح بيد الدولة، وكشف شبكات تهريب الدولار والنفط الإيراني.
العراق لا يحتاج إلى جنازة رمزية لخامنئي، بل إلى دفن مشروعه السياسي على أرضه. ولا يحتاج إلى طقوس تمجيد لرأس الخراب، بل إلى استعادة الدولة من أيدي اللصوص والميليشيات. فالعدالة الحقيقية لا تبدأ فقط باسترداد الأموال، بل بكسر الشبكة التي سرقت العراق باسم الدين والمقاومة.















عذراً التعليقات مغلقة