لم يعد الحديث عن القنبلة النووية في إيران مجرد تسريب أو تهديد عابر يصدر عن هذا المسؤول أو ذاك. ما نشرته وكالة «فارس» التابعة لحرس النظام تحت عنوان «لا بديل عن بناء القنبلة» يكشف تحولًا أخطر: انتقال فكرة امتلاك السلاح النووي من خانة الإنكار الرسمي إلى مجال الترويج العلني بوصفها ضرورة استراتيجية لبقاء النظام.
صحيح أن الوكالة حاولت لاحقًا النأي بنفسها عن المقال واعتباره مادة رأي في قسم تفاعلي، لكن أهمية ما جرى لا تكمن فقط في النص المنشور، بل في البيئة السياسية التي تسمح بمثل هذا الخطاب. فحين تدعو وسيلة إعلام مرتبطة بحرس النظام إلى امتلاك القنبلة، فهذا لا يعكس رأيًا فرديًا بقدر ما يكشف مزاجًا متصاعدًا داخل بنية السلطة يرى في السلاح النووي ضمانة أخيرة أمام الأزمات الداخلية والخارجية.
هذا التحول ينسف رواية النظام القديمة حول سلمية البرنامج النووي وفتوى خامنئي ضد السلاح النووي. فالسنوات الأخيرة شهدت تصريحات متكررة من شخصيات قريبة من القيادة، ومستشارين عسكريين، ونواب في البرلمان، حول تغيير العقيدة النووية أو مراجعة الفتوى أو الاعتراف بامتلاك القدرة التقنية على إنتاج السلاح. من حمزة صفوي إلى علي شمخاني، ومن عباس عراقجي إلى أكثر من سبعين نائبًا طالبوا بتغيير الفتوى، لم يعد النقاش هامشيًا، بل أصبح جزءًا من التيار المتنفذ داخل النظام.
لكن السؤال الأهم هو: لماذا الآن؟ الجواب لا يرتبط فقط بالضغط الخارجي أو الصراع مع واشنطن وتل أبيب. النظام الإيراني يواجه أزمة بقاء داخلية عميقة. فقد اهتزت صورته بعد موجات الاحتجاج، وتآكلت شرعيته تحت وطأة القمع والإعدامات والانهيار الاقتصادي، كما بدأت تظهر مؤشرات متزايدة على خوفه من الفعل المنظم داخل البلاد. والاعترافات الأخيرة بشأن هجوم وحدات المقاومة على مقر خامنئي في قلب طهران تكشف جانبًا من هذا الخوف. فالنظام لا يخشى الضربة الخارجية وحدها؛ إنه يخشى أيضًا أن تصل المقاومة الإيرانية المنظمة إلى أكثر مراكزه حساسية.
من هنا يصبح السلاح النووي، في عقل النظام، ليس أداة دفاع عن إيران، بل أداة دفاع عن منظومة ولاية الفقيه. هو لا يبحث عن استقرار إقليمي، بل عن مظلة ردع تحمي القمع الداخلي وتمنح الحرس هامشًا أوسع لابتزاز العالم.
ولهذا فإن الحل لا يمكن أن يكون بين خيارين عقيمين: حرب مدمرة أو استرضاء يعيد إنتاج الخطر. ما طرحه عليرضا جعفرزاده حول إغلاق منشآت التخصيب تحت الأرض، وما أكده علي صفوي حول خطر مهادنة النظام، يضعان المسألة في إطارها الصحيح: لا إنهاء حقيقيًا للتهديد النووي من دون تفكيك أدوات بقاء النظام في الداخل، ودعم الشعب الإيراني ووحدات المقاومة في مسارهم نحو تغيير ديمقراطي.
القنبلة، كما يراها حرس النظام، ليست لحماية إيران. إنها بوليصة تأمين لنظام فقد شرعيته ويبحث عن وسيلة نووية لإطالة عمره.















عذراً التعليقات مغلقة