اخبار العالم

هذه الانتفاضة لا يمكن كبحها : هل يستطيع النظام هذه المرة أيضاً، كما في السابق، منع استمرار الانتفاضة من خلال القمع أو الترهيب أو المناورات السياسية؟

مأخوذة من جریدة النهار العربی 

بقلم د.سنابرق زاهدي  

واجه النظام الإيراني في السنوات الأخيرة موجات عاتية من الاحتجاجات والانتفاضات هزت أركان حكم “ولاية الفقيه”، بدءاً من انتفاضة 2009 الكبرى التي كانت سياسية بالكامل، وصولاً إلى انتفاضتي 2017 و2019 بدوافع اقتصادية، وانتهاءً بانتفاضة 2022 الواسعة التي بدأت بعنصر سياسي واجتماعي. بالطبع، نجح النظام في قمعها ووقف حركتها، لكن الانتفاضة الأخيرة تختلف في جوهرها وعمقها ونطاقها عن جميع الفترات السابقة.

 

 

 

محتجون إيرانيون.(أف ب)

محتجون إيرانيون.(أف ب)

 

 

 

 

والسؤال المحوري: هل يستطيع النظام هذه المرة أيضاً، كما في السابق، منع استمرار الانتفاضة من خلال القمع أو الترهيب أو المناورات السياسية؟ إن مراجعة الحقائق الموضوعية للمجتمع الإيراني تشير إلى أن الإجابة عن هذا السؤال هي “لا”.
الأساس الأول هو الرفض الجذري للنظام من المجتمع. وعلى رغم أن مشاكل الشعب تتمثل في ارتفاع سعر الدولار والغلاء الفاحش والتضخم الجامح، فالشعارات في هذه التظاهرات – من “الموت للديكتاتور” و”الموت لخامنئي” إلى “لن يصبح هذا الوطن وطناً حتى یدفن الملالي” – قد استهدفت منذ البداية رأس هرم السلطة ومبدأ ولاية الفقيه. هذا المستوى من الصراحة والراديكالية هو علامة على عبور المجتمع من مرحلة “المطالبة بالإصلاح” إلى “نفي الشرعية الكاملة”.
الأساس الثاني هو الانسداد الكامل للحلول داخل النظام. والواقع أن تجربة العقود الماضية، من رفسنجاني الذي رُوِّج له باعتباره “قائد الإعمار”، إلى خاتمي الذي قُدِّم رمزاً لـ”الإصلاحات”، ومن شعار “الاعتدال” في عهد روحاني، أوصلت المجتمع إلى اقتناع حاسم بأن التغيير من داخل النظام مستحيل.

الأساس الثالث هو ربط الأزمات المعيشية مع المأزق السياسي. فالانتفاضة الحالية تشكلت على قاعدة “الخبز، والماء، والبيئة، والمعيشة”. التضخم الرسمي تجاوز 50%، في حين زادت الحكومة الرواتب بنسبة 20% فقط، والانهيار المستمر لقيمة الريال، وتجاوز خط الفقر حاجز الـ40 مليون تومان شهرياً، كل هذه العوامل جعلت أكثر من 80% من سكان البلاد يعيشون تحت خط الفقر. كل يوم، تهبط فئات واسعة من الطبقة الوسطى إلى ما دون خط الفقر. وقد أدت أزمة المياه وهبوط الأرض وتلوث الهواء وتدمير الموارد الطبيعية إلى تفاقم الوضع. هذه ليست أزمات يمكن احتواؤها بقرارات تقنية أو إصلاحات جزئية، بل إنها الأزمات التي لا تقبل المجاملة لأن جذورها تكمن في البنية السياسية والأولويات الأمنية لنظام ولاية الفقيه. ومن دون كسر المأزق السياسي، لا حل لهذه الأزمات.

القمع المطلق
عام 2025، تجاوز عدد الإعدامات 2200 حالة، وهو رقم غير مسبوق يهدف إلى حقن المجتمع بالرعب. ومع ذلك، لم تتوقف الاحتجاجات فحسب، بل ازداد نطاقها وراديكاليتها. وهذا يظهر أن الخوف قد حل محله الغضب والجسارة.
حصيلة هذه الأسس الثلاثة: التغيير في إيران أصبح أمراً حتمياً وبات يلوح في الأفق. لكن المجتمع وصل إلى استنتاج مفاده أن السبيل الوحيد للخروج من الأزمات المتراكمة هو تغيير جذري وثوري. وبالطبع، فإن حتمية التغيير لا تعني الانتصار التلقائي. فالمسار والتكلفة والوقت لا تزال محل نقاش. لكن ما لم يعد يقبل الشك هو حقيقة أن نظام الملالي لا يملك القدرة على احتواء الأزمات، ولا يمكن أدوات القمع السابقة أن تعيد إلى الوراء المجتمع الذي “بلغ السكين فيه العظم”.
لم يعد السؤال هل تستمر الانتفاضة أو لا؟ بل كيف ينتهي هذا التغيير؟ وبأي تكلفة؟ وتحت أي صياغة سياسية؟ وهنا تتجلّى رسالة السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من المقاومة الإيرانية، حين قالت:
“إن انتفاضة البازاريين وسائر فئات الشعب تعكس غضب عشرات الملايين من الناس الذين ضاقوا ذرعاً بالانهيار المتسارع لعملة البلاد، وبالتضخم المتفاقم، والركود غير المسبوق، والتمييز والفساد الحكومي المنهجي. وقد أشاروا من خلال شعاراتهم إلى جذر المشكلة، أي نظام ولاية الفقيه، والحل المتمثل في المقاومة والانتفاضة”.
وبناءً على ذلك، فإن الغضب المتقد لملايين المقهورين، عندما يقترن بنضال آلاف “وحدات الانتفاضة”، يجعل إسقاط نظام الملالي القائم على الجريمة والنهب، وإقامة مجتمع يقوم على المبادئ الواردة في مشروع المواد العشر الذي طرحته رجوي، أمراً في متناول اليد.

*رئيس لجنة القضاء في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى