هناك رهبان احتموا بجدران الأديرة، وهناك رهبان رأوا أن الإيمان مسؤولية تجاه الإنسان والوطن والحرية.
كان الأباتي بولس نعمان من هؤلاء.
وُلد عام 1932، ودخل الرهبانية اللبنانية المارونية في سن مبكرة، ودرس اللاهوت ثم الحقوق والأدب، قبل أن يتخصص في التاريخ الماروني في روما، ويعود إلى لبنان أستاذًا وعميدًا في جامعة الروح القدس – الكسليك.
مع تصاعد الأزمة اللبنانية في أواخر الستينيات، انخرط نعمان في العمل الوطني والفكري، وشارك في لقاءات وخلوات مع مجموعات من الشباب اللبناني، وانطلقت في تلك المرحلة «لجنة البحوث اللبنانية» التي أصدرت عشرات الدراسات والكتب والكتيبات حول القضية اللبنانية، بهدف بناء وعي وطني لدى جيل الشباب.
ثم جاء عام 1980، فانتُخب رئيسًا عامًا للرهبانية اللبنانية المارونية، وبقي في هذا الموقع حتى عام 1986، في واحدة من أخطر مراحل تاريخ لبنان الحديث.
كان عضوًا في الجبهة اللبنانية، وشارك في الحياة السياسية والوطنية بصورة مباشرة، كما كان له دور في مرحلة ترشيح وانتخاب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية عام 1982.
كان سلاحه الأساسي الفكر والكلمة والتنظيم والموقف.
وهنا تكمن فرادة تجربته: لم يرَ تناقضًا بين الرهبنة والانخراط في قضايا الوطن. ففي مذكراته، ربط بين خدمة الإنسان والدفاع عن وجوده وحريته، معتبرًا أن الإيمان لا يمكن أن يبقى صلاة وتأملًا فقط عندما يكون الإنسان والكيان مهددين.
وقد لخّص فلسفته في عنوان مذكراته:
«الإنسان، الوطن، الحرية».
ثلاث كلمات تختصر مسيرة راهب لم يكتفِ بأن يصلي من أجل لبنان، بل نزل إلى قلب أزماته، وواجه خصومه بالكلمة والموقف، وتحمل مسؤولية سياسية ووطنية نادرًا ما حملها رجل دين.
قد يختلف اللبنانيون مع بعض مواقفه وقراءاته للتاريخ، لكن يصعب إنكار أنه كان واحدًا من أكثر رجال الدين الموارنة حضورًا في القضية اللبنانية خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
لم يحمل البندقية… لكنه حمل القضية.
لم يختبئ خلف جدران الدير… بل خرج إلى قلب لبنان.
رحم الله الأباتي بولس نعمان،
راهب القضية اللبنانية.















عذراً التعليقات مغلقة