لم يعد الحديث عن تراجع التيار الوطني الحر مجرد انطباع سياسي أو نتيجة خلاف عابر بين قيادته وبعض كوادره. الأرقام والمسار السياسي خلال السنوات الأخيرة يقدّمان صورة أكثر وضوحاً: التيار الذي دخل انتخابات 2018 من موقع القوة النيابية الأولى، خرج من الانتخابات التالية متراجعاً، ثم واجه بعد ذلك واحدة من أكبر موجات الانشقاق الداخلي في تاريخه.
في انتخابات 2018، فاز تكتل لبنان القوي بـ29 نائباً، متقدماً على سائر الكتل النيابية. لكن هذا الرقم كان يمثل تكتلاً واسعاً ضم نواب التيار وحلفاءه، وليس التيار وحده. وكان للتيار نفسه 18 نائباً ضمن التكتل، إلى جانب الطاشناق ومستقلين وحلفاء.
بعد أربع سنوات فقط، تبدلت الصورة. انتخابات 2022 أفرزت 18 نائباً لتكتل لبنان القوي، مقابل 19 للقوات اللبنانية، فتحوّل التيار من صاحب الكتلة المسيحية الأكبر إلى المرتبة الثانية مسيحياً.
لكن المشكلة لم تتوقف عند صناديق الاقتراع.
الانهيار الحقيقي بدأ داخل البيت
منذ 17 تشرين الأول 2019، بدأ التيار يخسر تدريجياً عدداً من الوجوه التي شكّلت جزءاً من بنيته السياسية والشعبية. خرج نعمة افرام وشامل روكز وميشال معوض، ثم ميشال ضاهر وإيلي الفرزلي، في مسار عكس اتساع الفجوة بين القيادة المركزية وعدد من الشخصيات التي كانت في صلب التجربة العونية.
وبعد انتخابات 2022، استمر النزيف. وفي أيلول من العام نفسه، أقدم جبران باسيل على فصل زياد أسود وماريو عون من التيار، في مؤشر إضافي إلى أن الخلاف لم يعد محصوراً بالخيارات السياسية، بل وصل إلى طريقة إدارة التنظيم نفسه.
ثم جاءت صيف 2024 باعتباره نقطة التحول الأخطر.
خلال فترة قصيرة، خرج أو فُصل عدد من أبرز الوجوه النيابية والتنظيمية، بينهم ألان عون وإلياس بو صعب وسيمون أبي رميا وإبراهيم كنعان. وقد وثقت «لوريان توداي» في آب 2024 خروج نحو 12 شخصية بارزة من التيار، بين مفصول ومستقيل، خلال السنوات السابقة، مع تركّز الخلافات بصورة خاصة حول العلاقة مع قيادة باسيل وطريقة اتخاذ القرار.
ألان عون، وهو ابن شقيق مؤسس التيار ميشال عون، فُصل بقرار من جبران باسيل استناداً إلى توصيتين من مجلس الحكماء الذي يرأسه ميشال عون.
وبعد أيام، أعلن سيمون أبي رميا استقالته، منتقداً ما اعتبره انتقالاً من الشراكة الداخلية إلى نمط أكثر فردية في اتخاذ القرار.
أما إبراهيم كنعان، أحد أبرز الوجوه التاريخية في التيار، فقد حاول إطلاق مبادرة للمصالحة وإعادة توحيد الصفوف، قبل أن يعلن استقالته في 28 آب 2024، قائلاً إن مبادرته لم تلقَ استجابة.
هنا تحديداً يتجاوز الأمر مسألة خسارة نواب.
عندما يخسر الحزب خصوماً من خارجه فهذا جزء طبيعي من المنافسة السياسية، أما عندما يخسر شخصيات تأسيسية من داخله، فالمشكلة تصبح مشكلة بنيوية.
من خسارة المقاعد إلى خسارة الاحتكار
الأخطر بالنسبة إلى التيار ليس فقط تراجع عدد نوابه، بل فقدان موقعه كعنوان وحيد أو شبه وحيد للظاهرة العونية.
في أيلول 2024، اجتمع ألان عون وإلياس بو صعب وسيمون أبي رميا وإبراهيم كنعان مع البطريرك الماروني بشارة الراعي في الديمان، وطرحوا فكرة خلق دينامية مسيحية ووطنية والتواصل مع مختلف القوى السياسية.
وهذا تطور سياسي بالغ الدلالة.
فالشخصيات التي كانت بالأمس جزءاً من البيت العوني بدأت تبحث عن مساحة سياسية مستقلة عنه، لا عن العودة إليه فقط.
وبالتالي، فإن أزمة التيار لم تعد مع القوات اللبنانية أو الكتائب أو المستقلين فحسب؛ بل أصبحت أيضاً مع شخصيات خرجت من بيئته نفسها وتحاول بناء خيارات بديلة.
سقوط الغطاء التنفيذي
هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله.
كان التيار خلال عهد ميشال عون يتمتع بموقع استثنائي داخل السلطة، يجمع بين رئاسة الجمهورية وكتلة نيابية كبيرة ونفوذ حكومي واسع. لكن انتهاء عهد عون في تشرين الأول 2022 أنهى هذا الغطاء التنفيذي.
ثم جاءت انتخابات رئاسة الجمهورية في كانون الثاني 2025 وانتخاب قائد الجيش جوزاف عون رئيساً بـ99 صوتاً في الدورة الثانية.
وبعد ذلك تشكلت حكومة نواف سلام من دون تمثيل سياسي مباشر للتيار، وهو ما جعل الحزب يجد نفسه للمرة الأولى منذ سنوات خارج السلطة التنفيذية في مرحلة سياسية جديدة.
وفي شباط 2025، صوّتت غالبية نواب التيار الحاضرين ضد منح حكومة سلام الثقة، إذ حضر 11 نائباً من أصل 13.
بمعنى آخر، لم يعد التيار يملك الموقع الرئاسي الذي كان يشكل مركز ثقله، ولا الحضور الحكومي الذي اعتاد عليه، ولا الكتلة النيابية التي امتلكها في 2018.
وحزب الله؟ من ورقة قوة إلى عبء سياسي؟
لا يمكن فصل مسار التيار عن علاقته بحزب الله منذ توقيع تفاهم مار مخايل عام 2006.
هذا التحالف منح التيار لسنوات قدرة واسعة على المناورة داخل النظام السياسي، لكنه تحوّل تدريجياً إلى عنصر مكلف شعبياً، خصوصاً بعد الانهيار الاقتصادي والحروب والأزمات المتتالية.
واللافت أن جبران باسيل نفسه أقر في آذار 2024 بأن التيار خسر شعبية بسبب صعوبة الدفاع عن حزب الله، وقال إن التحالف معه أفاد التيار سياسياً لكنه أصبح أكثر صعوبة، خصوصاً لدى الشباب.
وهذه النقطة أساسية: الأزمة لم تعد فقط في كيفية إدارة التحالف، بل في الكلفة الشعبية التي ترتبت عليه.
الانتخابات المؤجلة لا تعني أن الأزمة توقفت
لا يمكن اليوم استخدام نتائج انتخابية جديدة لقياس حجم التيار بدقة، لأن الانتخابات النيابية التي كانت مقررة في أيار 2026 لم تحصل.
في 9 آذار 2026، أقر مجلس النواب تمديد ولايته سنتين بأغلبية 76 نائباً، وأصبح موعد الانتخابات مؤجلاً إلى أيار 2028، وقد ثبّت المجلس الدستوري قانون التمديد لاحقاً.
لذلك، أي حديث عن «حجم انتخابي حالي» يجب أن يبقى تقديرياً، لا نتيجة انتخابية مثبتة.
لكن غياب الانتخابات لا يعني غياب المؤشرات.
فآخر اختبار انتخابي فعلي في 2022 أظهر بوضوح أن القوات اللبنانية تقدمت على التيار في عدد المقاعد، كما أظهرت الأرقام التفضيلية للمرشحين الفائزين فجوة لمصلحة القوات: نحو 165,835 صوتاً تفضيلياً مقابل 120,115 لمرشحي التيار الفائزين وفق الأرقام المنشورة آنذاك.
الأزمة إذن ليست أزمة مقعد… بل أزمة مشروع
يمكن للتيار أن يستعيد بعض المقاعد في أي انتخابات مقبلة. ويمكنه أن يعقد تحالفات جديدة، وأن يستفيد من القانون الانتخابي والظروف السياسية.
لكن السؤال الأهم أعمق من الحسابات الانتخابية:
هل ما زال التيار يمتلك القدرة على إنتاج الحالة السياسية التي أنتجت 29 نائباً في 2018؟
المعطيات الحالية تقول إن التحدي أكبر من مجرد استعادة مقاعد.
فالتيار خسر جزءاً من حلفائه، وخسر شخصيات تاريخية، وخسر موقعه الرئاسي، وخسر موقعه كأكبر كتلة مسيحية، وخسر جزءاً من صورته كحركة عابرة للأشخاص.
والأخطر أن بعض أبرز الخارجين منه لم يخرجوا احتجاجاً على سياسة واحدة، بل تحدثوا عن أزمة في آلية القرار والقيادة والحياة الداخلية للحزب. كنعان دعا إلى المصالحة، وأبي رميا تحدث عن الفردية في القرار، فيما تحولت موجة الانشقاقات إلى ظاهرة سياسية مستقلة.
وهنا تكمن جوهر الأزمة.
الأحزاب لا تسقط عندما تخسر انتخابات واحدة، بل عندما تبدأ قواعدها وشخصياتها التاريخية في البحث عن مستقبلها خارج الحزب.
من 29 نائباً في تكتل لبنان القوي عام 2018 إلى 18 في 2022، ثم إلى كتلة مباشرة للتيار بلغت 13 نائباً بعد موجة الانشقاقات، تبدو الصورة اليوم أقرب إلى أزمة إعادة تأسيس منها إلى مجرد تراجع انتخابي.
والانتخابات المقبلة، عندما تحصل، لن تكون فقط امتحاناً لجبران باسيل.
ستكون امتحاناً للسؤال الأكبر:
هل يستطيع التيار الوطني الحر أن يستعيد نفسه كحركة سياسية جامعة، أم أن الانقسامات التي بدأت داخل البيت العوني ستتحول إلى نهاية مرحلة سياسية كاملة؟















عذراً التعليقات مغلقة