هناك حدود لكل شيء، حتى في السياسة.
أما أن يتحول دم شهداء الجيش اللبناني إلى منشورات انتخابية، وأداة للمزايدة العونية على اللبنانيين، فهذه ليست ممارسة سياسية شاذة فحسب؛ إنها إساءة إلى الشهداء أنفسهم.
في الأيام الأخيرة، بدأت أصوات من التيار الوطني الحر حملة تدّعي الدفاع عن حقوق شهداء الجيش، وتزايد على الآخرين في الوطنية. لكن قبل أن يوزعوا دروساً في الوفاء للعسكريين، ربما عليهم أن يفتحوا كتب التاريخ قليلاً، وأن يتذكروا تاريخهم وتاريخ زعيمهم ميشال عون نفسه.
في 13 تشرين الأول 1990، ومع الهجوم السوري على بعبدا ومواقع الجيش، هرب ميشال عون إلى السفارة الفرنسية، تاركاً ضباطه وجنوده يقاتلون حتى الرمق الأخير. وتوثق مصادر تاريخية أن القوات السورية دخلت مواقع الجيش بعد سقوط بعبدا، وقُتل وأُعدم مئات العسكريين والضباط خلال ذلك اليوم، إضافة إلى عشرات المخطوفين.
هذه حقيقة تاريخية لا تمحوها الشعارات ولا الحملات على وسائل التواصل.
والأسوأ من ذلك أنه، بعد عودة الجنرال عون من دمشق عام 2008 ولقائه بشار الأسد، دعا اللبنانيين إلى فتح صفحة جديدة مع سوريا، ودلاً من مطالبة النظام السوري بتوضيح مصير العسكريين المفقودين والمخطوفين منذ أحداث 13 تشرين، أو المطالبة برفات من تركهم في أرض المعركة وفرّ إلى السفارة الفرنسية.
فتح صفحة جديدة حق سياسي، طبعاً. لكن المشكلة تبدأ عندما يريد أصحاب الصفحة الجديدة أن يمحوا الصفحات القديمة من ذاكرة اللبنانيين، ثم يعودون اليوم ليقدموا أنفسهم باعتبارهم أوصياء حصريين على دماء العسكريين.
وفي قضية النقيب الطيار سامر حنا، الذي قُتل عام 2008 برصاص عناصر من حزب الله، بقيت القضية واحدة من أكثر الملفات التي أثارت غضب المؤسسة العسكرية والرأي العام اللبناني.
وهنا تحديداً يحق للناس أن تسأل التيار: أين كانت لهجتكم الحالية في الدفاع عن هيبة الجيش عندما كان المتهمون ينتمون إلى حليفكم السياسي؟
الدفاع عن الجيش لا يمكن أن يكون موسمياً.
لا يجوز أن يكون شهيد الجيش مقدساً عندما يخدم خطاباً سياسياً، ثم يصبح ملفه ثانوياً عندما يكون المتهم أو المسؤول حليفاً سياسياً.
والأكثر إثارة للسؤال هو التحول في العلاقة مع النظام السوري: كيف يمكن لمن بنى جزءاً كبيراً من خطابه السياسي على مواجهة النظام السوري أن يتحول لاحقاً إلى حليف سياسي له، ثم يعود اليوم إلى توظيف ملف شهداء الجيش في سجال سياسي انتقائي؟
لا أحد يملك شهداء الجيش.
الشهداء ليسوا ملك التيار الوطني الحر، ولا ملك أي حزب أو زعيم. شهداء الجيش هم ملك لبنان.
ومن يريد فعلاً تكريمهم، فليدافع عن الجيش عندما يكون في مواجهة حليف، كما يدافع عنه عندما يكون في مواجهة خصم.
وليشرح للبنانيين كيف يمكن لمن يرفع شعار السيادة والاستقلال أن يتحالف سياسياً مع قوة مسلحة خارج سلطة الدولة، فيما الجيش نفسه يُطلب منه أن يبقى المؤسسة الشرعية الوحيدة الحاملة للسلاح.
ولذلك، قبل أن تعطوا اللبنانيين دروساً في الوفاء للجيش، تذكروا تاريخكم، وتذكروا مواقفكم، وتذكروا حلفاءكم.
اتركوا شهداء الجيش خارج بازار السياسة.
استحيوا بقى.















عذراً التعليقات مغلقة