تحالف كاريش… من فرّط بالأمس لا يملك حق المزايدة اليوم

تادي عوادمنذ ساعتينآخر تحديث :
تحالف كاريش… من فرّط بالأمس لا يملك حق المزايدة اليوم

يعود اليوم الحديث عن إحياء ما بات يُعرف في الأدبيات السياسية اللبنانية بـ”تحالف كاريش”، بمبادرة من الرئيس نبيه بري وحزب الله، بالتنسيق مع العونيين ووليد جنبلاط، تحت عنوان براق: الدفاع عن سيادة لبنان ورفض أي تفريط بحقوقه الوطنية. لكن خلف هذا العنوان، تختبئ مفارقة لا يمكن تجاوزها، ولا يجوز السكوت عنها: كيف لمن وقّع بالأمس، ودافع عن توقيعه بكل قوة، أن يقف اليوم في موقع الحارس الأمين على السيادة التي يزعم أنها مهددة؟

 

سؤال لا مفر منه

في عام 2022، أُبرم اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، وبموافقة صريحة ومعلنة من القوى ذاتها التي تتصدر اليوم خطاب “الدفاع عن الحقوق”. يومها، جرى التنازل عن مساحة تقارب 1800 كيلومتر مربع من المياه الاقتصادية اللبنانية لصالح إسرائيل، في مقابل وعود بترسيم الحدود البرية لاحقًا، ما زالت حتى اللحظة حبرًا على ورق.

 

والأنكى من ذلك، أن الاتفاق يومها لم يُقدَّم للرأي العام اللبناني كتنازل مؤلم فرضته موازين القوى، بل جرى تسويقه على أنه “إنجاز تاريخي” و”انتصار دبلوماسي” يُحسب لصانعيه. فكيف يستقيم اليوم أن يتحول هذا “الإنجاز” المزعوم، فجأة، إلى قضية سيادية كبرى تستوجب تشكيل تحالف سياسي لمواجهة من يُتَّهمون – ظلمًا – بالتفريط؟

 

من يحاسب من؟

إن حملة التخوين والتشكيك الموجهة اليوم إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، بذريعة التفريط بحقوق لبنان، هي في جوهرها محاولة لقلب الحقائق وتوزيع الأدوار من جديد. فالمنطق البسيط يقول إن من يرفع اليوم راية “الدفاع عن الحقوق” مطالَب أولًا بأن يُحاسَب على سجله الفعلي في هذا الملف، لا أن يقفز فوق مسؤولياته السابقة ليتصدر خط الدفاع.

 

المزايدة لا تُبنى على فراغ

السياسة، في جوهرها، فعل مسؤولية قبل أن تكون فعل شعارات. ومن يريد أن يتصدر خطاب السيادة والحقوق الوطنية، عليه أولًا أن يقدّم كشف حساب واضحًا وشفافًا عن كل محطة كان فيها طرفًا مقررًا، لا أن يعيد تدوير خطاب الأمس بأدوات اليوم، متناسيًا أن الذاكرة السياسية للبنانيين ليست قصيرة إلى هذا الحد.

إن “تحالف كاريش” بصيغته المُحيا اليوم، لا يمكن أن يكون مشروعًا مصداقيته مستمدة من ذاته، بل من أصحابه. وطالما أن هؤلاء الأصحاب أنفسهم هم من وقّع ودافع وسوّق للاتفاق الذي يُفترض اليوم أنه موضع مساءلة، فإن أي محاولة لتصويرهم كحماة للسيادة تبقى محاولة منقوصة المصداقية، بل ومكشوفة الغاية.

فمن فرّط بالأمس، مهما ارتفع صوته اليوم، لا يملك حق المزايدة على أحد.

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

الاخبار العاجلة