تحت المجهر

جزيرة خرج الإيرانية… حين كانت موطنًا للرهبان المسيحيين

تقع جزيرة خرج في مياه الخليج العربي قبالة الساحل الجنوبي لإيران قرب بوشهر، وتُعرف اليوم بوصفها أحد أهم مراكز تصدير النفط الإيراني. غير أنّ تاريخ هذه الجزيرة الصغيرة يكشف عن فصل مختلف تماماً؛ فصلٍ ديني وثقافي يعود إلى ما قبل الإسلام، حين كانت الجزيرة موطناً لمجتمع مسيحي رهباني نشط في قلب الخليج.

خلال القرون الأولى للميلاد، خصوصاً بين القرنين الرابع والسابع، انتشرت المسيحية في مناطق واسعة من الخليج العربي عبر نشاط كنيسة المشرق السريانية، التي ازدهرت داخل أراضي الإمبراطورية الساسانية. وقد شملت شبكتها الدينية العديد من المدن والجزر الساحلية، حيث تحوّل الخليج آنذاك إلى مساحة تواصل ديني وتجاري بين بلاد فارس وبلاد الرافدين والهند.

أحد أهم الشواهد على هذا الوجود المسيحي في الجزيرة هو اكتشاف بقايا دير قديم عُرف باسم دير خرج المسيحي، والذي اكتُشف عام 1959 خلال بعثة أثرية أوروبية. وتشير الدراسات الأثرية إلى أنّ الدير يعود إلى القرن السادس أو السابع الميلادي، وكان يضم كنيسة صغيرة وغرفاً للرهبان وساحة داخلية وقاعات للمعيشة والطعام، ما يدل على وجود مجتمع رهباني مستقر عاش في الجزيرة لسنوات طويلة.

كان الرهبان الذين أقاموا في هذا الدير يتبعون التقليد السرياني الشرقي، وكانت اللغة الدينية المستخدمة بينهم هي اللغة السريانية، وهي إحدى أهم لغات المسيحية الشرقية في ذلك العصر. وقد عُثر في الموقع على نقوش وصلبان حجرية تؤكد الطابع المسيحي للمكان.

لم تكن جزيرة خرج حالة فريدة في الخليج آنذاك؛ فقد كشفت الاكتشافات الأثرية عن وجود أديرة وكنائس قديمة في جزر ومناطق أخرى من الخليج مثل جزيرة فيلكا في الكويت وجزيرة صير بني ياس في الإمارات، ما يعكس شبكة دينية وثقافية واسعة امتدت عبر المنطقة.

مع الفتح الإسلامي في القرن السابع بدأت هذه المجتمعات المسيحية بالتراجع تدريجياً نتيجة التحولات السياسية وتغير طرق التجارة البحرية، إلا أن آثارها بقيت شاهداً على مرحلة تاريخية مهمة من تاريخ الخليج.

وهكذا تكشف جزيرة خرج عن وجهٍ أقل شهرة من تاريخ المنطقة؛ وجهٍ يروي كيف كان الخليج قبل أكثر من ألف وأربعمئة عام فضاءً للتعدد الديني والثقافي، وموطناً للرهبان والتجار والرحالة الذين ربطوا بين حضارات الشرق القديم عبر البحر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى