الحريري واللحظة الضائعة… كيف خسر تيار المستقبل بوصلته؟

بقلم تادي عواد
في لحظة إقليمية حاسمة، يبدو أحمد الحريري وكأنه يتحرّك بعقل مرحلة انتهت. الرجل الذي تولّى إدارة تيار المستقبل في غياب سعد الحريري، وجد نفسه أمام تنظيم مفكّك، جمهور محبط، تمويل مقطوع، وغطاء عربي مرفوع. بدل مواجهة هذه الوقائع بوضوح سيادي، اختار التموضع الرمادي والانفتاح على حزب الله.
وهنا جوهر الأزمة.
فالتحالف أو التقاطع مع حزب الله لم يكن يومًا خيارًا تكتيكيًا عابرًا. التجربة اللبنانية منذ عام 2005 أثبتت أن من يدخل مدار الحزب يخرج أضعف ومعزولًا. حزب الله لا يعقد شراكات متكافئة، بل يستوعب ثم يُفرّغ.
ما يفعله أحمد الحريري اليوم يذكّر بما وقعت فيه الجماعة الإسلامية: وهم القدرة على اللعب في المساحات الخطِرة من دون دفع أثمان المشروع الإيراني. كلاهما ظنّ أنه يستطيع استخدام الحزب مرحليًا ثم العودة إلى الحضن العربي والدولي. لكن الخليج لم يعد يراهن على الرماديين: إمّا وضوح سيادي كامل، أو خروج من الحسابات.
الأخطر أن الحريري يحاول تعويض غياب الغطاء الخارجي بـ«ضمانة داخلية» من حزب الله، فيما ثمن أي تقارب معروف: صمت عن السلاح أو تغطية للهيمنة. وهذا ما لا يمكن لجمهور المستقبل تقبّله، خصوصًا في ظل ذاكرة اغتيال رفيق الحريري، وانهيار الدولة، وعزلة لبنان.
النتيجة بدأت تظهر: نزف شعبي، تراجع عربي، واحتمال استخدامه مؤقتًا ثم الاستغناء عنه. وإذا عاد سعد الحريري لاحقًا بشروط جديدة، قد يتحوّل أحمد إلى تفصيل.
ما زال أمامه خيار واحد يضيق سريعًا: قطيعة واضحة مع حزب الله، إعادة تموضع ضمن الخط السيادي العربي، ومصالحة صريحة مع المزاج السني الغاضب. غير ذلك يعني خروجًا تدريجيًا من المعادلة.
الخلاصة بسيطة:
في لبنان اليوم، «الوسطية» ماتت. والرمادية لم تعد حكمة، بل باتت انتحارًا سياسيًا بطيئًا.




