لماذا يهاجم حزب الله وزير الخارجية… ويتجنّب رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة؟

بقلم تادي عواد
ليس غريبًا أن يختار حزب الله مهاجمة وزير الخارجية اللبناني بدل توجيه سهامه إلى رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة. الغريب فقط أن البعض ما زال يتساءل: «لماذا؟».
الجواب بسيط لمن يفهم منطق السلطة الحقيقية في لبنان.
وزير الخارجية لا يتكلم من فراغ. مواقفه ليست رأيًا شخصيًا ولا اجتهادًا فرديًا. الرجل يكرّر حرفيًا ما ورد في خطاب القسم لرئيس الجمهورية، وما أُقرّ رسميًا في البيان الوزاري للحكومة. أي إنه يتحدث باسم الدولة، لا باسم نفسه. ومع ذلك يتعرّض للهجوم. لماذا؟
لأن المشكلة ليست في «الخروج عن الحكومة».
المشكلة أنه التزم بها حرفيًا.
وزير الخارجية هو واجهة الاشتباك الحقيقي
في عقل حزب الله، تُدار السياسة على مستويين:
الداخل يُضبط بالتوازنات، بالتسويات، وبالرماديات.
أما الخارج، فهو ساحة الاشتباك الفعلي.
وزير الخارجية هو من يخاطب العواصم المؤثرة، وهو من يمثّل لبنان في المحافل الدولية، ويوقّع البيانات المشتركة، وينقل الموقف الرسمي إلى المجتمع الدولي.
أي إن كلمته لا تبقى في الإعلام المحلي، بل تتحوّل إلى مواقف دولية وضغوط سياسية واقتصادية. وهنا تكمن الخطورة.
أما تصريحات رئيس الحكومة أو رئيس الجمهورية، فغالبًا ما تُستهلك داخليًا، وتُعاد صياغتها، ويُتلاعب بها كلاميًا، ثم تُفرّغ من مضمونها.
لهذا يُستهدف الوزير: لأنه يضرب حيث يؤلم فعلًا… في الخارج.
مهاجمة الرؤساء تعني تفجير التسوية
حزب الله شريك مباشر في إنتاج السلطة الحالية. فالرئيس جاء ضمن توازنات شارك الحزب في رسمها. والحكومة تشكّلت بموافقته الضمنية. رئيس الوزراء نتاج تسوية إقليمية–داخلية.
مهاجمة هؤلاء تعني الاعتراف بانهيار التسوية كاملة. وتفتح باب الفراغ الدستوري. وسقوط آخر غطاء «شرعي» للحزب داخل مؤسسات الدولة. هذا ثمن لا يريد دفعه.
أما مهاجمة وزير الخارجية، فكلفتها أقل، ويمكن احتواؤها.
الهدف ليس إسقاط الحكومة… بل تطويق الوزير
هي عملية عزل سياسي وتطويق إعلامي لدفعه إلى التراجع، أو محاولة تصويره كحالة «نشاز»، أي تقديمه للرأي العام وكأنه يعبّر عن نفسه لا عن الدولة، رغم أن الرجل لم يقل شيئًا خارج النص الرسمي.
لكن الحزب يحتاج إلى رواية بديلة، حتى لو كانت مكشوفة.
هذه تقنية معروفة، استخدمها حزب الله مرارًا هدفها تعطيل المؤسسات من الداخل، لا إسقاطها.
مشكلة حزب الله أن وزير الخارجية يمثّل خطًا سياديًا واضحًا، ويكشف عوراته أمام المجتمع الدولي، بينما رئيسا الجمهورية والحكومة يتحدثان بلغة رمادية، عبارات مطاطة، جُمَل قابلة للتدوير، ومواقف تحتمل التأويل.
أما وزير الخارجية، فخطابه مباشر: هدفه إعادة تموضع لبنان عربيًا، وفتح قنوات جدّية مع المجتمع الدولي، وتسمية الأمور بأسمائها.
وهذا ما لا يحتمله حزب الله.
ليس لأن الكلام «تصعيدي»، بل لأنه واضح.
والوضوح هو أخطر ما يواجه منظومة قائمة على السرية والغموض.
الخلاصة
حزب الله لا يهاجم وزير الخارجية لأنه خرج عن الحكومة.
يهاجمه لأنه حوّل خطاب القسم والبيان الوزاري من نصوص بروتوكولية إلى سياسة فعلية.
الحزب كان يتعامل مع هذه الوثائق كديكور سياسي. فجاء الوزير وتعامل معها كبرنامج عمل.
هنا وقع الاشتباك.
المعركة ليست على تصريح.
المعركة على هوية لبنان.




