تحت المجهر

أحمد الحريري يدمّر آخر فرص سعد الحريري للعودة إلى العمل السياسي

بقلم تادي عواد
لم يعد الخطر على عودة سعد الحريري إلى الحياة السياسية آتيًا من خصومه التقليديين، ولا من تحوّلات الإقليم، ولا حتى من خيبات التجربة السابقة.
الخطر الحقيقي اليوم يأتي من داخل تياره… من أحمد الحريري نفسه.

من إدارة التيار إلى تفكيك الإرث

بعد انسحاب سعد الحريري، لم يتحوّل أحمد الحريري إلى حارس للإرث السياسي، بل إلى مستهلك له. فبدل الحفاظ على الخط السياسي الواضح الذي ميّز الحريرية السياسية، دخل في مرحلة إعادة تدوير الخصوم وتلميع شخصيات شكّلت تاريخيًا رأس حربة في الهجوم على سعد الحريري وعلى السعودية.
هذا ليس اجتهادًا سياسيًا، بل انحراف كامل عن الهوية.

تبييض الخصوم: الجريمة السياسية الكبرى

حين يخرج أحمد الحريري ليقدّم جهاد الصمد ووئام وهاب كـ«مدافعين» عن سعد الحريري، فهو لا يسيء إلى ذاكرة الجمهور فحسب، بل يضرب آخر ما تبقّى من مصداقية سياسية للحريرية.
هؤلاء لم يكونوا يومًا حلفاء، ولم يقفوا في أي محطة مفصلية إلى جانب سعد الحريري أو خياره السياسي، بل كانوا في الصف المقابل، وبمواقف علنية قاسية، ومهينة أحيانًا.
تلميعهم اليوم ليس مصالحة ولا انفتاحًا، بل تزوير فاضح للتاريخ السياسي القريب.

رسائل كارثية إلى السعودية

الأخطر في خطاب أحمد الحريري أنه يبعث برسائل ملتبسة إلى السعودية، مفادها أن من يُفترض أنه يمثّل خطها السياسي في لبنان بات مستعدًا للتكيّف مع خصومها، وتدوير الزوايا معهم، بل ومنحهم شهادة «اعتدال» بأثر رجعي.
في السياسة، هذا النوع من الخطاب لا يُفهم كمرونة، بل كعدم موثوقية.

خدمة مجانية لمحور الممانعة

في المقابل، يقدّم أحمد الحريري خدمة سياسية مجانية لمحور الممانعة، عبر إعادة إدخال شخصياته الهجومية إلى المشهد السني، وتظهيرها كجزء من «حالة حريصة» على سعد الحريري.
وهكذا، من حيث يدري أو لا يدري، يتحوّل خطاب أحمد إلى أداة تبييض سياسي لمن قضوا سنوات في مهاجمة مشروع الدولة والاعتدال العربي.

البقاع ليس ساحة تجارب

اختيار البقاع لتسويق هذه الرواية ليس تفصيلًا، لكن الافتراض أن الشارع هناك يمكن خداعه هو خطأ قاتل.
أهل البقاع يعرفون جيدًا من وقف معهم، ومن تخلّى عنهم، ومن هاجم سعد الحريري في عزّ المواجهة، ومن يحاول اليوم إعادة التموضع بالكلام لا بالمواقف.
السياسة في البقاع تُقاس بالسجلّ، لا بالخطابات.

الاستثمار باسم سعد… بعد غيابه عن القرار

اليوم، لا يتحرّك أحمد الحريري بتفويض سياسي، بل باسم رمزي، والفرق كبير بين أن تمثّل قرارًا وأن تستثمر اسمًا.
اسم سعد الحريري لم يعد شيكًا على بياض، ولا غطاءً لأي محاولة بقاء في الصورة.
وكلما طال هذا المسار، تآكلت فرص عودة سعد الحريري، لأن الجمهور لن يفصل بين الاسم والممارسة.

الخلاصة: قيادة التيار تُبدِّد الفرصة

سعد الحريري لم يُقصَ سياسيًا، بل انسحب. وفرص العودة ما زالت ممكنة، لكنها تتآكل يومًا بعد يوم بفعل خطاب عبثي، متناقض، وانتهازي. أحمد الحريري لا يبني أرضية لعودة سعد، بل يحرقها.
في السياسة، كثرة الكلام لا تصنع وفاءً، ولا تغيّر الوقائع، ولا تعيد من غادر المشهد.
وما يفعله أحمد الحريري اليوم، إن استمر، قد يُسجَّل في التاريخ لا كمرحلة انتقالية، بل كالعامل الذي دمّر آخر فرص سعد الحريري للعودة إلى العمل السياسي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى