تحت المجهر

في رثاء تفاهم مار مخايل: تحالف السلاح والفساد

بقلم تادي عواد

منذ اللحظة الأولى، لم يكن تفاهم مار مخايل مشروع شراكة وطنية، ولا محاولة جادة لإنقاذ دولة، بل كان صفقة تقاسم سلطة بين طرفين لا يجمعهما لبنان، بل تجمعهما المصلحة.

صفقة بين سلاح يرى لبنان منصة لصواريخه وصراخه السياسي، وسلطة لا ترى فيه إلا حصّة تُشبع شراهتها وتغطي لصوصيتها. لم تُمنح الشرعية للسلاح دفاعًا عن الوطن، بل استُخدمت درعًا يحمي الفساد، ولم تُسلَّم السلطة باسم الاستقرار، بل كأجر مقابل الصمت، التبرير، والتواطؤ.

الجوهر كان واضحًا وبسيطًا:
أنتم تؤمّنون الغطاء السياسي والأخلاقي للسلاح.
ونحن نؤمّن لكم الحماية من المحاسبة، ونشارككم الغنيمة.
وهكذا سقطت الدولة بين فكي كماشة: سلاح خارجها، فساد في داخلها، يتقاسمان ما تبقّى من مؤسساتها، ولا يختلفان إلا على حجم الحصص.

شواهد الواقع
طوال السنوات الماضية، شهد لبنان حالات متكررة من احتكار القرار السياسي تحت تهديد السلاح، مثل تعطيل الحكومة أو البرلمان تحت ذرائع أمنية.

الحصانة أمام المحاسبة:
كثير من المسؤولين الذين تورطوا في ملفات فساد واضحة، ظلوا بعيدين عن القضاء، واستمروا في مناصبهم، بينما الشعب يدفع الثمن بأزمة مالية ومعيشية خانقة.

التواطؤ بين المال والسلاح:
الأمثلة عديدة، مثل صفقات الكهرباء والمرافق العامة، حيث يغطّي السلاح المصالح المالية لبعض القوى السياسية على حساب الدولة والمواطنين.

لكن كل صفقة قائمة على الانتهازية، مهما طال عمرها، تحمل في داخلها بذور سقوطها. السلاح مشروع عابر للدولة، والفساد مشروع عابر للأخلاق، ولا شيء عابراً يمكن أن يبني وطناً.

الانكشاف عند التغيير
حين تغيّرت الظروف، واختلّت الموازين، وانكفأ السلاح أو تغيّر دوره، انكشفت الحقيقة كاملة.
من اعتاش على الحماية، لا يعرف كيف يواجه المحاسبة.
ومن ظن أن الفساد قادر على الحكم بلا درع، اكتشف متأخرًا أنه بلا وزن، بلا شرعية، وبلا سند.
مضى السلاح ومن معه، وبقي الفاسد وحيدًا، مذهولًا، لا يفهم ما الذي أصابه، لأنه للمرة الأولى يُترك عاريًا أمام شعب يعرف، وتاريخ لا ينسى ولا يرحم.
لبنان لم يُدمّر بالسلاح وحده، ولا بالفساد وحده، بل بالتحالف بينهما، وسقط هذا التحالف، فبان وجه من باع الدولة، وظهر حجم الخسارة التي تكبّدها الشعب.

خلاصة
تفاهم مار مخايل ليس مجرد صفحة سوداء في التاريخ السياسي، بل درس قاسٍ عن مصير دولة تُدار عبر تحالفات مصلحية لا وطنية.
أي مشروع وطني يبتغي استقرار لبنان، لن يقوم إلا على سيادة الدولة، استقلال القرار، ومحاسبة الفساد، بعيدًا عن أي تهديد أو تحالف يضع السلاح فوق القانون، والمال فوق الدولة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى