يحترفون الهروب!

هنري ضومط
في محاولة محكوم عليها بالفشل، يسعى النائب جبران باسيل في الآونة الأخيرة إلى التمايز عن حزب الله، خاصة بعد أن تراجع نفوذ الحزب، ومعه نفوذ إيران، في لبنان. باسيل الذي حكم عبر عهد الرئيس ميشال عون لم يصل مع عمّه إلى السلطة إلا بفضل سواعد وصواريخ حزب الله، تلك التي باتت اليوم من الماضي. ماضٍ أسقط الدولة ومؤسساتها خدمةً لجشع السلطة المتمثل بالعونية السياسية من جهة، ولخطورة الأيديولوجيا المتمثلة بمشروع حزب الله من جهة أخرى، المشروع الذي وُلد ليبتلع الجمهورية، لكن التاريخ أثبت أنها عصيّة على الابتلاع.
باسيل الذي خسر في الاستراتيجيا، يحاول من جديد أن يلملم نفسه وتياره المنهار سياسيًا من أجل البقاء تكتيكيًا. آخر نغمة أطلقها في سوق الخطاب السياسي كانت مطالبته حزب الله بتسليم سلاحه للدولة اللبنانية، وهو أمر بحد ذاته مفاجئ وصادم.
مراقبون سياسيون وضعوا هذه المواقف في خانة محاولات استرضاء دول الخليج والغرب، بعدما اتخذ هذان الطرفان قرارًا نهائيًا بإنهاء ما يُسمّى “الممانعة” في لبنان والمنطقة. وأمام هذا التحوّل الكبير، يحاول باسيل ركوب موجة الإقليم لتبييض صفحته أمام هذه الدول التي طالما عارضها إرضاءً لحزب الله، ظانًا أنّ الحزب باقٍ فيما الجميع ينهار. لكن المفاجأة أنّ حزب الله نفسه ينهار تدريجيًا وقد بلغ مراحل متقدمة من التراجع، في حين أن المكونات السياسية التي راهنت على قيام الدولة أثبتت صحة رهانها، بعدما بات الجميع يتحدث عن ضرورة قيام دولة فعلية في لبنان.
من يقرأ بعقلٍ علمي يدرك أنّ المستقبل لن يكون لباسيل ولا لتياره السياسي، الذي احترف الهروب: من معاداة سوريا الأسد في السابق إلى الارتماء في أحضانها بعد انسحاب جيشها المحتلّ من لبنان، واليوم من معسكر “الممانعة” إلى معسكر “السيادة”. لكن مقلب “السيادة” لم يستقبله ولن يستقبله، لأن كمحترف في الهروب أصبح مكشوفًا، وتاريخ تيّاره منذ العام 1990 شاهد على ذلك.