الأكثرية .. (بقلم عمر سعيد)

بين تقديس الموروث وإدانة الصح.
” لسانه طويل ”
في الذهنية الشعبية، عبارة تطلق سلبيا على من يقول الأشياء كما هي، غير أننا لو دققنا في من تطلق عليه، لوجدنا انه حساس، واع، فضولي، حشري، لا يحتمل التورية، ولا الجمل الطويلة لقول الحقيقة.
لذلك تم نعته من المتضررين بعبارة :
” لسانه طويل ”
فقصر اللسان مطلب يجمع عليه الكل في مجتمعاتنا، وليس كل ما يجمع عليه الناس في المجتمع بفضيلة.
والأكثرية في قناعتي أبشع أسس الديموقراطية.
فوفقاً لهذه القاعدة يصبح صوت الجاهل أسمن من صوت المثقف في الصندوق.
ما دامت الأكثرية العددية تعد رؤوسا، ولا تبالي بالفروقات الفكرية والثقافية، ولم تضع قوانين تلحق الجاهل بالمثقف.
وعودة إلى قِصر اللسان، فإن من الخصال الحميدة في مجتمعاتنا، أن تكون الزوجة
” قطيمة اللسان “، فلا تسأل زوجها كيف يدمر أسرته، ولا متى سيكف عن ذلك، فما دام كل شيء مؤمن لها، لا يحق لها التدخل، وإن كانت تتفوق عليه في وعيها.
” وكل شيء مؤمن لها ” هنا تعني الأكل واللباس والمأوى، وبالتالي، هذا يجردها من وظيفة العقل عندها، وما عليها إلا التزام الصمت.
وعلى الابن أن يكون
” إله ثم ياكل ما إله تم يحكي “، لأن السكوت من ذهب، ولكن السكوت عم ؟! .. لا يهم، لانه من ذهب، والذهب ثروة لكل وقت.
لكننا ننسى أن نعلم أبناءنا ونساءنا أن الكلام في كثير من المواقف يكون أغلى من الذهب بكثير، بل هو من الألماس !
وبإثبات من الموروث : ” إن اعظم الجهاد كلمة حق في وجه سلطان جائر ”
إنها ثقافة العبودية المتوارية بأمبيلاج الدماثة، واللطف والفقرنة..
فيقال : ” فلان ابن بيت ” لانه لا يقول عن الحق حقا وعن الباطل باطلاً، لئلا يزعل منه أحد، وكأن الصوت الذي يعري الحقيقة سمة أبناء الشوارع.
و ” فلان بينشرب مع المي العكرة ”
ولست أفهم الحاجة لشرب المياه العكرة، والماء الزلال متوفر.
وما ذلك إلا لأن الوضوح الصراحة يعكران صفو الحياة في مجتمعات تتجنب الاطلاع على حقيقتها المتهرئة.
لقد آن الأوان لإجراء مراجعة دقيقة لكل مورثنا الاجتماعي، لأن المسافة بين الواقع العصري والأمس القبلي، باتت شاسعة.
وأذكر مداخلة أجريتها خلال مظاهرات أمريكا قبل أيام، قلت فيها :
” إن الفرق بين مجتمعات تعيش على القيم، ومجتمع يعيش على القانون، هو القدرة على السير إلى المستقبل. لأن المجتمعات التي تعيش على القيم، تحد قيمها من الضرر الناتج عن فوضى ما، فيما تغيب مفاعيل القيم في المجتمعات المحكومة بالقانون، فتكون نتائج الفوضى أقسى عليها.
غير أن حضور القيم المشوه بخطوطه الباهتة التي تغيب الوضوح في سلوك الفرد والمجتمع في مجتمعات القيم، يجعل التغيير والتقدم مترهلا بطيئاً شبه معدوم، بسبب المعركة المستمرة بين الجديد الأصلح والموروث العاجز.
فتتمكن مجتمعات القانون من تعديل قوانينها لتراعي مصلحة أجيال الغد، وعلومهم، وثقافتهم وحياتهم.
وما مواقع التواصل الحديث إلا وجها من أوجه طول اللسان الذي يخدم الفرد والمجتمع ويحقق لملمة مطلوبة لموروث عاجز تمدد طويلاً، وبشكل يدين الجميع، وفي كل موقف.
عمر سعيد