انسحاب إسرائيل أم حصر السلاح؟ المعادلة التي لا يمكن فصلها

تادي عواد19 سبتمبر 2026آخر تحديث :
انسحاب إسرائيل أم حصر السلاح؟ المعادلة التي لا يمكن فصلها

في مقاله المنشور في مجلة «Just Security» بعنوان «لا تدعوا اتفاق السلام اللبناني يثبت صحة حزب الله»، يرى جان عزيز، المستشار السياسي لرئيس الجمهورية جوزاف عون، أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان قد يعزز رواية حزب الله القائلة إن احتفاظه بالسلاح لا يزال مبرراً بوجود «احتلال» إسرائيلي.

هذه الفكرة تستحق النقاش، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الوجود الإسرائيلي الحالي نقطة البداية للتحليل، بدلاً من النظر إلى المسار الذي أوصل لبنان إلى هذه المواجهة.

 

ماذا حدث منذ الانسحاب الإسرائيلي عام 2000؟

 

منذ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، شهد لبنان ثلاث جولات حربية واسعة مع إسرائيل، وكانت البداية في كل مرة من حزب الله.

في حرب تموز 2006، بدأت المواجهة في 12 تموز، عندما شن حزب الله هجوماً عبر الخط الأزرق، أطلق خلاله صواريخ باتجاه مواقع إسرائيلية، وعبر مقاتلوه الحدود وهاجموا دورية إسرائيلية، ما أدى إلى مقتل جنود إسرائيليين وأسر جنديين ونقلهما إلى لبنان. وكان هذا الهجوم نقطة اندلاع الحرب التي استمرت أكثر من شهر.

أما في جولة 2023–2024، فقد بدأت المواجهات في 8 تشرين الأول 2023، عندما فتح حزب الله جبهة الجنوب، معلناً أن عملياته تأتي دعماً لغزة. ومع استمرار تبادل النار وتصاعده، تحولت المواجهة إلى حرب واسعة شملت ضربات إسرائيلية في أنحاء لبنان وعمليات برية في الجنوب.

وفي جولة 2026، جاء التصعيد في سياق الحرب الأوسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وبدأ حزب الله بإطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل، لترد إسرائيل بعمليات عسكرية واسعة داخل لبنان. وتشير التقارير الحالية إلى أن المواجهة تصاعدت مجدداً منذ 2 آذار 2026.

وهذا مهم جداً عند مناقشة الرواية التي تقول إن استمرار الوجود الإسرائيلي هو الذي يفرض استمرار سلاح حزب الله.

 

الذريعة ليست أصل المشكلة

 

قد يوفر الوجود الإسرائيلي الحالي لحزب الله ذريعة سياسية للقول إن سلاحه لا يزال ضرورياً، لكن هذا لا يعني أن وجود إسرائيل هو الذي أنشأ سلاح الحزب أو بنيته العسكرية.

فالحزب كان يمتلك منظومته العسكرية الكبيرة قبل الحرب الأخيرة بسنوات، كما أن قرار فتح جبهة الجنوب في عام 2023 لم يكن نتيجة قرار صادر عن الدولة اللبنانية.

وهنا يجب الفصل بين مسألتين:

قد يستخدم حزب الله الوجود الإسرائيلي لتبرير سلاحه، لكن إزالة هذا الوجود لا تعني تلقائياً إزالة المشكلة التي يمثلها وجود قوة عسكرية مستقلة عن الدولة.

السؤال الحقيقي: من يملك قرار الحرب والسلم؟

وهذا يجعل قضية السلاح خارج الدولة مسألة لبنانية بامتياز، حتى لو ارتبطت في جانب منها بالصراع مع إسرائيل.

إن أي تسوية مستقرة تحتاج إلى مسارين متوازيين:

انسحاب إسرائيلي وفق الالتزامات والاتفاقات والقرارات ذات الصلة، مقابل انتشار الجيش اللبناني وبسط سلطة الدولة ومعالجة وجود السلاح خارج مؤسساتها.

ولا ينبغي أن ينتظر أحد انتهاء المسار الأول حتى يبدأ الثاني.

المعادلة الصحيحة هي أن ينفذ كل طرف التزاماته بالتوازي: إسرائيل تنسحب، والجيش اللبناني ينتشر، والدولة تستعيد سلطتها، وتتم معالجة آثار الحرب وتأمين الضمانات التي تمنع تكرارها.

 

أين تكمن حساسية موقف مستشار الرئيس؟

 

أهمية المقال أن كاتبه ليس مراقباً سياسياً بعيداً عن السلطة، بل مستشار لرئيس الجمهورية.

ولهذا، فإن نقل التركيز من مسألة تنفيذ لبنان لالتزاماته المتعلقة بحصر السلاح والقرار العسكري بيد الدولة، إلى مسألة الانسحاب الإسرائيلي وحدها، يطرح سؤالاً حول ترتيب الأولويات.

فكما يُسأل الإسرائيليون عن تنفيذ التزاماتهم والانسحاب من الأراضي اللبنانية، يجب أن يُسأل لبنان أيضاً عن تنفيذ التزاماته المتعلقة بسلطة الدولة والجيش والسلاح.

المعادلة لا ينبغي أن تكون: ينسحب الإسرائيليون أولاً، وبعدها نبحث في سلاح حزب الله.

بل: كل طرف ينفذ التزاماته بالتوازي.

 

 

الخلاصة

 

الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية ضروري لأي تسوية تحترم سيادة لبنان والتزاماته الدولية، لكنه ليس جواباً كاملاً على مشكلة السلاح خارج الدولة.

فالتجربة منذ عام 2000 تظهر أن وجود إسرائيل لم يكن وحده العامل الذي فجّر الحروب؛ فقد ارتبطت كل مواجهة بشرارة عسكرية مباشرة من حزب الله.

فإذا كان الهدف هو إنهاء دورة الحروب، فلا يكفي أن تنسحب إسرائيل من الأراضي اللبنانية؛ يجب أيضاً أن يعود قرار الحرب والسلم إلى الدولة اللبنانية وحدها.

وهنا تحديداً ينتقل لبنان من منطق إدارة الحرب إلى منطق بناء الدولة.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

الاخبار العاجلة