من طهران إلى المستقبل: الحكومة المؤقتة وبديل الجمهورية الديمقراطية على أنقاض “ولاية الفقيه”

في لحظة تاريخية فارقة، ومع إعلان موت الديكتاتور علي خامنئي، وتهاوي أركان نظام ولاية الفقيه تحت ضربات الشعب المنتفض والواقع الميداني المتفجر، لم يعد الحديث عن “البديل” مجرد تنظير سياسي، بل أصبح ضرورة وجودية لملء الفراغ وإنقاذ إيران. اليوم، وبينما تلفظ الديكتاتورية الدينية أنفاسها الأخيرة وسط نيران الحرب والاضطرابات، يبرز “المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية” كصخرة صلبة ومشروع دولة متكامل، معلناً تفعيل “الحكومة المؤقتة الانتقالية” بقيادة السيدة مريم رجوي، لتكون الجسر الآمن الذي يعبر بإيران من ظلام القرون الوسطى إلى نور الجمهورية الديمقراطية.
الجذور التاريخية للشرعية السياسية
لم يولد هذا البديل من رحم الصدفة أو كرد فعل آني على الأحداث الجارية. فالمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، الذي تأسس عام 1981 بمبادرة من السيد مسعود رجوي في طهران، لطالما مثّل “برلمان المقاومة” والوعاء الجامع لكل القوى الوطنية والديمقراطية. لقد صمد هذا الائتلاف لأكثر من أربعة عقود في وجه أعتى حملات الإعدام والملاحقة، رافعاً شعاراً لا حياد عنه: “لا لديكتاتورية الشاه، ولا لديكتاتورية الملا”.
واليوم، تتجلى حكمة ذلك التأسيس؛ فمع انهيار رأس النظام، لا تجد إيران نفسها أمام المجهول، بل أمام هيكلية سياسية وتنظيمية متجذرة تضم ممثلين عن كافة القوميات والأقليات الدينية والمذهبية، وتستند إلى شرعية تاريخية ونضالية دفعت ثمنها دماء أكثر من 120 ألف شهيد.
هندسة الانتقال: الحكومة المؤقتة ومهمة الستة أشهر
ما يميز الطرح السياسي للمقاومة اليوم، ونحن نعيش واقع ما بعد خامنئي، هو الوضوح التام في “خارطة طريق انتقال السلطة”. إن إعلان السيدة مريم رجوي عن تفعيل مهام “الحكومة المؤقتة” يقطع الطريق على أي محاولات لتدوير النظام أو عودة فلول الديكتاتورية السابقة.
تستند هذه الحكومة في جوهرها إلى مبدأ “مؤقتية السلطة”؛ فهي ليست سلطة بديلة لفرض الهيمنة، بل أداة تنفيذية مهمتها الرئيسية والوحيدة هي الإشراف على نقل السيادة إلى الشعب خلال فترة زمنية محددة (لا تتجاوز 6 أشهر عادة وفق أدبيات المجلس)، تنتهي بإجراء انتخابات حرة ونزيهة لتشكيل “المجلس التأسيسي والتشريعي”. هذا المجلس المنتخب هو من سيكتب دستور الجمهورية الجديدة ويعين الحكومة الدائمة. إنها هندسة سياسية دقيقة تضمن عدم استبدال استبداد بآخر.
برنامج النقاط العشر: ميثاق إيران الحرة
في خضم الفوضى الحالية، يسطع “برنامج النقاط العشر” للسيدة مريم رجوي كمنارة توجيه لمستقبل إيران. هذا البرنامج، الذي يمثل العقد الاجتماعي للجمهورية الديمقراطية، يقدم حلولاً جذرية لمعضلات إيران المزمنة:
- صناديق الاقتراع هي المعيار الوحيد للشرعية.
- نظام تعددي يضمن حرية الأحزاب والتجمع.
- فصل الدين عن الدولة، لإنهاء حقبة المتاجرة بالدين التي دمرت البلاد.
- المساواة الكاملة بين المرأة والرجل في كافة الحقوق السياسية والاجتماعية.
- الحكم الذاتي للقوميات داخل إطار وحدة إيران، لرفع الاضطهاد المزدوج عن الكرد والبلوش والعرب والآذريين وغيرهم.
- قضاء مستقل يلغي أحكام الشريعة المشوهة للملالي.
- إلغاء عقوبة الإعدام والتعذيب.
- اقتصاد وطني يضمن تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية.
- حماية البيئة التي دمرها فساد الحرس.
- إيران غير نووية، تعيش بسلام وتتعايش مع جيرانها والعالم.
“الشباب الثوار”: درع المجتمع وسيف التغيير
في ظل الظروف الحربية الراهنة، والاشتباكات التي تعصف بالبلاد، وجهت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمقاومة، نداءً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الشق السياسي. لقد دعت “الشباب الثوار” (الذين كانوا يعرفون سابقاً بوحدات المقاومة) إلى تولي زمام المبادرة في حماية المدنيين، وتأمين البنى التحتية، وتقديم الإغاثة، ومنع الفوضى التي قد يسعى بقايا النظام لإثارتها.
إن دور “الشباب الثوار” اليوم يتجاوز العمليات الميدانية ضد رموز القمع؛ فهم الآن النواة الصلبة لحفظ الأمن المجتمعي، وهم الضامن لمنع انزلاق البلاد نحو حرب أهلية أو فوضى هدامة. إن اتساع نشاطهم في مختلف المدن الإيرانية، ورفعهم لشعارات “الموت للظالم، سواء كان الشاه أو الملا”، يؤكد أن البديل يمتلك أذرعاً ميدانية قوية قادرة على ضبط الإيقاع على الأرض.
الخاتمة: لا عودة للوراء
إن الرسالة التي يوجهها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية اليوم، في 28 فبراير/شباط وما تلاه من أيام حاسمة، هي رسالة مزدوجة:
للداخل الإيراني: السيادة ملك لكم، والنظام قد انتهى بموت رأسه، والمستقبل تصنعونه أنتم عبر مقاومتكم المنظمة، لا عبر التدخلات الخارجية ولا عبر المساومات.
للمجتمع الدولي: إن الحل المستدام في إيران والمنطقة لا يمر إلا عبر الاعتراف بـ”الحكومة المؤقتة” ودعم حق الشعب الإيراني في استعادة سيادته المسلوبة.
لقد سقط نظام ولاية الفقيه، ومات خامنئي غير مأسوف عليه. ونحن اليوم لا نتحدث عن “معارضة” بل عن “حكومة بديلة” جاهزة، تمتلك البرنامج، والهيكلية، والقيادة، والقاعدة الشعبية المتمثلة في “الشباب الثوار”. إن ساعة الحقيقة قد دقت، وإيران الغد هي جمهورية ديمقراطية، علمانية، وغير نووية.




