في النقاش السياسي اللبناني، كثيرًا ما تختلط الاتهامات بالوقائع، وتتحول ملفات المال العام إلى سجالات بين الأحزاب. لكن في قضية وزير الطاقة السابق والنائب الحالي سيزار أبي خليل، هناك واقعة مختلفة لا تحتاج إلى اتهام سياسي: قرار نهائي صادر عن ديوان المحاسبة ثبّت مخالفات مالية وقانونية بحقه وفرض عليه غرامة.
القضية تتعلق بالتعاقد مع شركة Pöyry Switzerland Ltd لتقديم خدمات استشارية لدراسة وتقييم عروض استئجار طاقة من باخرتين وربطهما بمعملي دير عمار والزهراني.
من التحقيق إلى القرار النهائي
بدأ المسار القضائي بقرار موقت أصدره ديوان المحاسبة في 19 كانون الثاني 2023 تحت الرقم 3/ر.ق/2023، حدد فيه المخالفات المالية موضوع التحقيق.
وبعد تقديم أبي خليل دفاعه واعتراضاته، أصدرت الهيئة القضائية في الغرفة السابعة في ديوان المحاسبة بتاريخ 16 تموز 2025 القرار النهائي رقم 16/ر.ق.
النتيجة كانت واضحة: ردّ الديوان دفوع أبي خليل في الأساس، وثبّت مسؤوليته عن المخالفات المالية، وقرر تغريمه بالحد الأقصى المنصوص عليه في المادة 60، والبالغ وفق النص المطبق مليونًا وخمسمئة ألف ليرة. كما جرى إبلاغ النيابة العامة لدى ديوان المحاسبة بالقرار.
إذًا نحن لسنا أمام شكوى حزبية أو اتهام إعلامي، بل أمام نتيجة توصلت إليها هيئة قضائية في ديوان المحاسبة ضمن صلاحياتها.
أولًا: مخالفة أصول التعاقد بالتراضي
تناول الديوان طريقة اختيار Pöyry والتعاقد معها بالتراضي.
فالمادة 150 من قانون المحاسبة العمومية تضع شروطًا لهذا النوع من التعاقد، ومن بينها، بحسب ما أورده القرار المنشور، وجود دراسة مسبقة تثبت أن الصفقة تتجاوز إمكانات الإدارة.
ورأى الديوان أن هذا الشرط لم يُحترم في المعاملة.
كذلك لم تُراعَ الشروط التي وضعها قرار مجلس الوزراء رقم 9 بتاريخ 17 أيار 2017، ولا سيما الإجراءات المتعلقة باستدراج العروض والتأهيل المسبق.
وردّ الديوان على حجة أن الوزارة سبق أن تعاملت مع Pöyry، معتبرًا أن كل عقد يشكل واقعة قانونية مستقلة يجب أن تتوافر فيها شروطها القانونية، وأن التعاقد السابق مع شركة لا يمنح الإدارة أو الشركة حقًا مكتسبًا بالتعاقد معها مجددًا بالتراضي.
بعبارة أخرى: خبرة الشركة السابقة لا تلغي القانون ولا إجراءات المنافسة.
ثانيًا: تنفيذ المعاملة قبل رقابة ديوان المحاسبة
هذه إحدى أوضح الوقائع في القضية.
جرى وضع المعاملة موضع التنفيذ قبل عرضها أصولًا على الرقابة المسبقة لديوان المحاسبة.
واعتبر الديوان ذلك مخالفة للمادة 33 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة، التي تجعل الرقابة المسبقة إجراءً جوهريًا وتحظر تنفيذ المعاملة قبل استكمالها، تحت طائلة المسؤولية المنصوص عليها في المادة 60.
وفي دفاعه، استند أبي خليل إلى العجلة المرتبطة بخطة الطوارئ للكهرباء لصيف 2017، وأشار إلى إيداع المعاملة في اليوم التالي لـ**«الموافقة الشفهية على المباشرة بالتنفيذ»**.
لكن الديوان رفض هذا التبرير.
واعتبر أن أزمة الكهرباء في عام 2017 كانت معروفة ومتوقعة، وأن الدولة كانت تخطط لمعالجتها مسبقًا، وبالتالي لا تتوافر فيها شروط الحدث الطارئ غير المتوقع الذي يمكن الاستناد إليه لتبرير عدم اتخاذ الإجراءات القانونية في الوقت المناسب.
وهذه النقطة بالذات بالغة الأهمية: الاستعجال الإداري، بحسب قرار الديوان، لم يكن مبررًا لتجاوز الإجراءات القانونية والرقابة المسبقة.
ثالثًا: مخالفة الموجبات الضريبية
لم تتوقف المخالفات عند طريقة التعاقد.
تناول التحقيق أيضًا التحقق من التزام الجهة المنوي التعاقد معها بالقوانين الضريبية اللبنانية.
وخلص القرار النهائي، بحسب النص المنشور، إلى وجود إهمال في التحقق من تقيد الطرف المتعاقد معه بالقوانين الضريبية، واعتبر ذلك تقصيرًا في أداء الواجبات الملقاة على عاتق الوزير ويستوجب المساءلة القانونية.
رابعًا: مخالفة أصول تشكيل لجنة الاستلام
في 1 تشرين الأول 2018 أصدر أبي خليل القرار رقم 26/ق/و المتعلق بتعيين لجنة لاستلام خدمات المكتب الاستشاري Pöyry.
لكن ديوان المحاسبة اعتبر أن هذا الإجراء جاء مخالفًا للمادة 139 من قانون المحاسبة العمومية، وأن المخالفة تشكل خرقًا للضوابط القانونية المنظمة لإدارة المال العام.
وهنا لا يتعلق الأمر بتفسير سياسي لأداء الوزير، بل بمخالفة قانونية محددة تناولها قرار الديوان.
عقد المصالحة لم يمحُ المخالفات
بعد تنفيذ الخدمات ظهرت مسألة تسديد مستحقات الشركة من خلال عقد مصالحة.
لكن ديوان المحاسبة حسم هذه المسألة أيضًا.
فقد اعتبر، وفق ما نُشر من القرار، أن عقد المصالحة لا يشكل غطاءً قانونيًا لمخالفة الأصول؛ فهو يعالج النتائج المترتبة على المخالفة، لكنه لا يمحو المخالفة الأصلية.
وبالتالي لم يؤدِّ اللجوء إلى المصالحة لاحقًا إلى جعل الإجراءات السابقة قانونية.
ماذا أثبت القرار ؟
ما يمكن إثباته بالوثائق المنشورة هو أن ديوان المحاسبة أصدر قرارًا نهائيًا في 16 تموز 2025، بعد قرار موقت وتحقيق ودفاع قدمه أبي خليل، وانتهى إلى ثبوت مخالفات مالية بحقه وردّ دفوعه وفرض الغرامة القصوى التي طبقها الديوان في القضية.
ومن هنا يجب أن يبدأ أي نقاش جدي حول مسؤوليته في هذا الملف: من القرار القضائي والوقائع المثبتة، لا من الاتهامات السياسية ولا من الدفاعات الحزبية.
















عذراً التعليقات مغلقة