التراخي القاتل… كيف تُدفع البلاد نحو الانفجار

تادي عوادمنذ دقيقتانآخر تحديث :
التراخي القاتل… كيف تُدفع البلاد نحو الانفجار

بقلم تادي عواد

ليس ما يهدد لبنان اليوم هو اختلاف أبنائه، ولا  الاحتقان السياسي المزمن. ما يهدده فعلاً هو ذلك الفراغ الذي تتركه الدولة حين تنسحب من واجبها الطبيعي في حماية الناس وفرض القانون. التاريخ في لبنان لا يُكتب صدفة، بل يُعاد إنتاجه كلما قررت الدولة أن تغضّ النظر، أو أن تختبئ خلف أعذار العجز والتوازنات.

في عام 1975، لم تنفجر الحرب الأهلية من العدم. لم تكن حادثة عابرة، بل نتيجة تراكم طويل من التخلّي الرسمي عن المسؤولية أمام السلاح الفلسطيني. حينها، تركت الدولة الشارع للفوضى، والسلاح للفلتان، والناس لمصيرهم. وعندما غاب الجيش اللبناني عن ضبط الأمن وحماية المواطنين، حضرت لغة الحمابة الذاتية، وتحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة للدم.

اليوم، يعيد المشهد نفسه، لكن بوقاحة أكبر. الدولة التي يُفترض أن تكون الحكم والحامي، تقف متفرّجة أمام ممارسات الترهيب والبلطجة التي يمارسها حزب الله. أجهزة أمنية يُفترض أنها وُجدت لحماية المواطنين، أصبحت عاجزة، أو مكبّلة، أو متواطئة بالصمت. والقضاء، الذي يجب أن يكون الملاذ الأخير للعدالة، يبدو كأنه فقد قدرته أو إرادته على المواجهة.

المشكلة لم تعد في وجود سلاح حزب الله غير الشرعي بحد ذاته، بل في قبول الدولة الضمني به، وفي استسلامها أمام من يستخدمه لفرض واقع خارج إطار القانون. عندما يشعر المواطن أن كرامته وأمنه ليسا مضمونين إلا عبر الانتماء إلى قوة أمر واقع، فاعلم أن الدولة قد سقطت فعليًا، حتى لو بقيت مؤسساتها قائمة شكليًا.

الأخطر من كل ذلك أن هذا النهج لا يهدد فقط السلم الأهلي، بل يدفع الناس دفعًا نحو خيارات لم يكونوا ليفكروا بها في ظروف طبيعية. حين تُسلب حقوق الناس، وحين يُترك المواطن أعزل في مواجهة الترهيب والقتل والبلطجة، فإن الغضب سيتحول عاجلًا أم آجلًا إلى انفجار. وعندها، لن تنفع بيانات التهدئة ولا الدعوات إلى الحوار.

الحرب الأهلية لا تبدأ بقرار، بل بشرارة. وهذه الشرارة، إن اشتعلت مجددًا، لن تكون بسبب خلافات الناس، بل بسبب دولة قررت مرة جديدة أن تتخلّى عن دورها. دولة تكرّر خطيئة الماضي نفسها، وكأنها لم تتعلّم شيئًا من دماء اللبنانيين.

الرسالة اليوم يجب أن تكون واضحة للجميع: إن استمرار هذا التراخي ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في دفع البلاد نحو الانفجار. ومن يظن أن بإمكانه التحكم بتوقيت الفوضى أو حدودها، فهو واهم. فحين تسقط الدولة، لا أحد يبقى بمنأى عن السقوط.

لبنان لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى دولة تقرر أن تكون دولة. غير ذلك، فنحن نسير نحو المجهول…

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

الاخبار العاجلة