لبنان

العونية بين الخطاب والواقع: تجربة فاشلة لا تستحق فرصة جديدة

بقلم: تادي عواد

ليست المشكلة في الحالة العونية أنها أخطأت في التقدير، بل في أنها حوّلت الخطأ إلى منهج حكم. فخلال سنوات الإمساك بالسلطة، لم تُمارَس السياسة من موقع الوضوح والمسؤولية، بل من خلال خطاب ملتبس يخفي التموضع الحقيقي خلف حزب الله، ويقدّم للجمهور شعارات سيادية وإصلاحية لا تجد أي ترجمة في الممارسة الفعلية.

هذا الالتباس لم يكن عارضًا ولا نتيجة ارتباك مرحلي، بل كان أداة إدارة سياسية مقصودة: كلام مزدوج، مواقف قابلة للتأويل، ومرونة انتهازية تسمح بتبرير كل انعطافة، من التسويات الكبرى إلى التنازلات الاستراتيجية. والنتيجة كانت واضحة: تسليم القرار الوطني تدريجيًا لمحور خارجي، والمشاركة في منظومة المحاصصة، وتغطية تعطيل المؤسسات تحت عناوين “الواقعية السياسية”.

دخل العونيون السلطة على وقع خطاب “التغيير”، وخرجوا منها شركاء كاملين في إنتاج الانهيار. سقطت الشعارات عند أول اختبار جدي، وحلّ منطق الحصص مكان منطق الدولة، وتحوّلت المؤسسات إلى ساحات نفوذ، لا أدوات خدمة عامة. لم يعودوا معارضين لمنظومة الفساد، بل جزءًا فاعلًا منها.

الأخطر من ذلك أن التجربة العونية ساهمت في تفريغ مفهوم الدولة من مضمونه. فبدل ترسيخ سيادة لبنان واستقلال قراره، جرى التعايش مع واقع “الدويلة”، وتقديم الغطاء السياسي لسلاح خارج الشرعية، مقابل مكاسب سلطوية آنية. هكذا تآكلت الثقة بالمؤسسات، وانهار العقد الاجتماعي، ودُفع المجتمع إلى مزيد من التفكك والفقر واليأس.

اليوم، يعود الخطاب نفسه إلى الواجهة: العناوين ذاتها، الوعود ذاتها، والنبرة ذاتها التي سبقت التجربة السابقة. لكن السؤال البديهي الذي يفرض نفسه: بأي منطق يُطلب من اللبنانيين تصديق نسخة جديدة من مشروع أثبت فشله سياسيًا ومؤسساتيًا واجتماعيًا؟
المشكلة ليست في أخطاء تكتيكية قابلة للتصحيح، بل في مسار كامل أثبت أنه عاجز عن بناء دولة، وغير راغب في مواجهة منظومة السلاح والفساد، ومستعد دائمًا لتقديم التنازلات الكبرى مقابل البقاء داخل السلطة.

لقد كان امتحان العونية قاسيًا على لبنان واللبنانيين. كلفته لم تكن أرقامًا في ميزانيات أو سجالات إعلامية، بل انهيارًا شاملًا طال الاقتصاد، والإدارة، والثقة العامة، ومعنى الدولة نفسه. وهذه كلفة لا يحتمل البلد تكرارها.
من هنا، تصبح الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد استحقاق ديموقراطي. إنها لحظة محاسبة سياسية وأخلاقية. ليست معركة برامج، بل معركة ذاكرة. بين من يريد طيّ الصفحة بلا مساءلة، ومن يرى في صناديق الاقتراع فرصة أخيرة لتصحيح المسار.

الخلاصة بسيطة وواضحة:
التجربة التي فشلت مرة لأنها قامت على الغموض والتبعية والمحاصصة، لن تنجح في الإعادة. ومن واجب اللبنانيين أن يقولوا ذلك بوضوح داخل صناديق الاقتراع، لأن الدول لا تُبنى بالشعارات، بل بالمواقف، ولا تُستعاد بالغموض، بل بالقرار السيادي الصريح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى