لبنان

جبران باسيل… أوهام السيادة وذاكرة الناس

 

يوسف يونس

حاول النائب جبران باسيل أن يقدّم نفسه في جزين بوصفه حامي السيادة وخصم الميليشيات، ناسجًا خطابًا شعبويًا يفتقد إلى الحد الأدنى من المصداقية. لكن الحقيقة، كما يعرفها اللبنانيون، أن باسيل وتياره شكّلوا طوال العقدين الماضيين الغطاء السياسي الأوسع لسلاح حزب الله وممارساته، وأن تاريخهم شاهد حيّ على التحالف مع الدويلة ضد الدولة.

ادّعى باسيل أن “التيار الوطني الحر لم يتعايش مع الميليشيا في الحرب”، وأن جزين تشبهه برفضها لها. إلا أن التاريخ يكذب هذا الادعاء. فالتيار لم يكن موجودًا خلال سنوات الحرب، أما بعد عام 2005، فقد غطّى باسيل وحزبه السلاح غير الشرعي، فتحالفوا رسميًا مع حزب الله وشاركوا إلى جانبه في احداث 23 كانون الثاني 2007، وشرّعوا وشاركوا في شلّ الوسط التجاري في بيروت بين 2007 و2008، وغطّوا أحداث 7 أيار 2008 المشؤومة وغيرها من ارتكابات الحزب… من يرفض الميليشيا لا يتبنّى خطابها، ولا يغطّي سلاحها.

يتحدث باسيل عن عون بوصفه رمز الشرعية والدولة والجيش. لكن الحقيقة أن العماد ميشال عون انقلب على الشرعية منذ اللحظة الأولى لتولّيه الحكم، وعاد في 2016 ليؤمّن الغطاء الكامل لسلاح حزب الله على حساب الجيش اللبناني. لم ينسَ اللبنانيون يوم قال عون إن الجيش ضعيف وغير قادر بدل أن يدعمه، في لحظة تاريخية جسّدت انحيازه الكامل إلى الميليشيا. ومن أكثر من دعم حزب الله وشرّع سلاحه إن لم يكن عون وباسيل؟

يحاول باسيل أن يظهر كمدافع عن وحدة لبنان، مستذكرًا الإمام موسى الصدر. أما “التقسيم” الذي تحدّث عنه، فهو ما صنعه حلفاؤه في حزب الله عبر سلاح غير شرعي، اقتصاد موازٍ، تعدّيات على الأملاك العامة والخاصة، نصب ترسانات صاروخية داخل قضاء جزين، وخلق مجتمع نقيض للدولة. إذا كان من “انعزالي” أو “تقسيمي”، فهو الحزب الذي يغطيه باسيل منذ 2006.

يقول باسيل إن خطاب خصومه يضع جزين في عزلة، ويقدّم نفسه شريكًا طبيعيًا مع النائب إبراهيم عازار. لكن الناس لم تنسَ أنه وصف عازار يومًا بأنه “زلمة نبيه بري”، وأنه نعت الرئيس بري بالـ”بلطجي”. واليوم يعود ليعقد التحالفات ذاتها التي شتمها بالأمس. الرأي العام ذاكرته حيّة، وذاكرة اللبنانيين لا تُمحى بخطابات متقلبة.

خطاب جبران باسيل في جزين لم يكن سوى محاولة من محاولات كثيرة يائسة لإعادة تعويم نفسه وتيّاره بعد سنوات من الانهيار السياسي والشعبي. لكنه كما عادته وقع في فخ التناقضات، إذ لا يمكن لمن شكّل الغطاء الأوسع للمشروع الإيراني في لبنان أن يقدّم نفسه حاميًا للسيادة ورافضًا للميليشيا. وجزين أثبتت في الانتخابات النيابية الأخيرة أنها مع الدولة والشرعية فقط، ولن تنطلي عليها أوهام باسيل أو ألاعيبه السياسية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى