شتائم على منبر الدولة

بقلم تادي عوّاد
في سابقة تُعبّر عن حجم الانحدار الذي بلغه الخطاب الرسمي في لبنان، خرج نائب رئيس الحكومة طارق متري بوصفٍ فجٍّ للمبعوثة الأميركية، ناعتًا إيّاها بـ”الشمطاء”.
واقعة كهذه لا يمكن قراءتها كزلة لسان، بل كمؤشّر خطير على تفلّت المؤسسات من الضوابط، وانهيار ما تبقّى من صورة الدولة.
في أيّ بلد يحصل هذا؟
في بلد تحكمه جماعة لا تعترف بالأعراف، وتُوظّف كل موقع رسمي في معركتها السياسية، حتى لو كان ذلك على حساب صورة لبنان وعلاقاته الخارجية.
بلد فقد القدرة على التمييز بين الدولة والمزرعة، بين الموقف الرسمي والتشبيح الحزبي، وبين التعبير السياسي والانحدار الأخلاقي.
لبنان الرسمي لم يعد يعكس مصالح اللبنانيين، بل بات يتحدّث بلسان ميليشيا مسلّحة تعمل ضمن مشروع إقليمي لا يضع مصلحة الوطن في الحسبان.
الدبلوماسية التي كانت يومًا أداة تواصل، صارت اليوم أداة للشتيمة،
والكياسة التي كانت عنوان الرصانة، باتت تُستبدل بالعنتريات، فقط لإرضاء جمهور السلاح.
في لبنان، تُقاس “الوطنيّة” اليوم بمستوى الخضوع لحزب الله، لا بمقدار الالتزام بالقانون والدستور.
تُكافَأ على شتمك لاجتماعات السفراء، وتُخوَّن إن طالبت بحياد الدولة.
أما الانبطاح، فصار يُسوَّق كـ”سيادة وطنية”.
وما صدر عن نائب رئيس الحكومة لا يمكن اعتباره موقفًا سياديًا، بل استعراضًا مشوَّهًا يُفرغ منصب الرجل الثاني في السلطة التنفيذية من أي مضمون، ويحوّله إلى منصّة تحريض وابتذال.
الرسالة واضحة:
من لا يخضع لمنطق السلاح، لا مكان له في “الدولة”.
ومن لا يتماهى مع المشروع الإيراني، يُعتبَر عدوًا، حتى من داخل الحكم.
لبنان لا يعيش أزمة سياسية فحسب، بل يعيش احتلالًا ناعمًا لمؤسساته، تارة باسم “الممانعة”، وطورًا تحت راية “السيادة المزيّفة”.
والمشكلة ليست في الشتائم، بل في أن مطلقيها يُعتبرون رسميًا ممثّلين للدولة.
أيّ صورة نريد تصديرها للعالم؟
بلد يفاوض باسم الشتيمة؟
أم دولة بلا لسان، إلا ما يُملى عليها من وراء الحدود؟
الشتائم على منبر الدولة ليست مجرّد عيب، بل جريمة بحقّ ما تبقّى من وطن.