المسيّرات النفاثة الروسية تُرهق الدفاعات الجوية الأوكرانية

تادي عواد5 سبتمبر 2026آخر تحديث :
المسيّرات النفاثة الروسية تُرهق الدفاعات الجوية الأوكرانية

المصدر: The Washington Post — 2 أيلول/سبتمبر 2026

تدخل حرب المسيّرات بين روسيا وأوكرانيا مرحلة جديدة، مع اعتماد موسكو بصورة متزايدة على مسيّرات هجومية مزودة بمحركات نفاثة تتميز بسرعة أعلى بكثير من المسيّرات التقليدية، ويتم إطلاقها بأعداد كبيرة بهدف استنزاف شبكة الدفاع الجوي الأوكرانية.

 

بحسب مسؤولين أوكرانيين، أطلقت روسيا خلال شهر آب/أغسطس أكثر من 2,800 مسيّرة نفاثة، فيما تشير التقديرات الأوكرانية إلى قدرة روسية على إنتاج ما بين 36 و40 ألف مسيّرة سنويًا، أي أكثر من 3,000 مسيّرة شهريًا.

 

وتبرز ضمن هذه المنظومة مسيّرات Geran-4 وGeran-5، المطوّرة انطلاقًا من التكنولوجيا الإيرانية لمسيّرات Shahed، والتي يمكن أن تصل سرعتها إلى نحو 400 كلم/ساعة. هذه السرعة تجعل اعتراضها أكثر صعوبة، وتدفع القوات الأوكرانية في بعض الحالات إلى استخدام طائرات مقاتلة لمواجهتها.

 

الأخطر بالنسبة إلى كييف ليس السرعة وحدها، بل المعادلة الاقتصادية والعملياتية. فروسيا تستطيع إنتاج المسيّرات بكميات كبيرة، بينما تعتمد أوكرانيا على صواريخ اعتراض أكثر تكلفة وتعقيدًا. وبالتالي، فإن إطلاق أسراب كبيرة من المسيّرات يهدف إلى إجبار الدفاعات الجوية على استهلاك مخزونها من الصواريخ، حتى لو تمكنت من إسقاط نسبة مرتفعة من الأهداف.

 

ويشير الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى أن المسيّرات النفاثة أصبحت تشكل أكثر من نصف المسيّرات الروسية المستخدمة في الهجمات. وخلال أربعة أيام فقط، قال إن روسيا أطلقت قرابة 1,500 مسيّرة، بينها نحو 800 نفاثة.

 

في المقابل، تواجه أوكرانيا مشكلة مزمنة في مخزون صواريخ الدفاع الجوي، خصوصًا أن منظومات مثل Patriot مطلوبة أيضًا للتعامل مع الصواريخ الباليستية الروسية، التي تمثل تهديدًا مختلفًا وأكثر خطورة على المواقع المحصنة والبنية التحتية الحيوية.

 

التحول في العقيدة الهجومية

 

ما تكشفه التطورات الأخيرة هو أن روسيا لا تستخدم المسيّرات النفاثة كسلاح منفرد، بل كجزء من استراتيجية استنزاف متكاملة تقوم على الجمع بين الكثافة العددية والسرعة والصواريخ الباليستية، بهدف خلق ضغط مستمر على شبكة الدفاع الجوي الأوكرانية.

 

كما أن انتقال الهجمات من الليل إلى النهار، واستمرار الإنذارات الجوية لفترات طويلة، يضيف بُعدًا آخر للحملة: إرهاق السكان والمؤسسات والخدمات، إلى جانب إرهاق الدفاعات العسكرية.

 

وفي الوقت نفسه، تواصل أوكرانيا تطوير قدراتها الهجومية بعيدة المدى، واستهداف منشآت الطاقة والصناعة والنفط داخل روسيا، ما يجعل الحرب الجوية المتبادلة أحد أهم ميادين الصراع في المرحلة الحالية.

 

الدرس العسكري الأبرز

 

تؤكد التطورات الأوكرانية أن مستقبل الدفاع الجوي لن يعتمد فقط على امتلاك صواريخ متطورة، بل على القدرة على مواجهة أسراب كبيرة من الأهداف منخفضة الكلفة بوسائل اعتراض أقل كلفة وأكثر عددًا.

 

المعادلة الجديدة أصبحت:

 

مسيّرة رخيصة وسريعة + إنتاج ضخم + هجمات متكررة = استنزاف منظومة دفاع جوي عالية الكلفة.

 

وهذا يمثل تحديًا ليس لأوكرانيا وحدها، بل لكل دولة تعتمد على منظومات دفاع جوي صاروخية باهظة في مواجهة أسراب متزايدة من المسيّرات.

 

وتكمن أهمية التطور الروسي أيضًا في أن موسكو تنتقل تدريجيًا من مفهوم «المسيّرة الانتحارية البطيئة» إلى «ذخيرة جوالة سريعة ومنتجة بكميات صناعية»، الأمر الذي قد يفرض إعادة التفكير في تصميم شبكات الدفاع الجوي الحديثة، وتوزيع وسائل الاعتراض، واستخدام الحرب الإلكترونية والمدافع والطائرات الاعتراضية إلى جانب الصواريخ.

 

الخلاصة:

المعركة الجوية فوق أوكرانيا أصبحت مختبرًا حقيقيًا لحرب المستقبل. والميزة قد لا تكون لمن يمتلك أقوى صاروخ اعتراض، بل لمن يستطيع تحقيق أفضل توازن بين سرعة الكشف، كثافة النيران، الحرب الإلكترونية، الاعتراض منخفض الكلفة، والقدرة على تحمّل هجمات تستمر لساعات أو أيام.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

الاخبار العاجلة