لا تشطبوا روسيا من سباق التسلح… الحرب في أوكرانيا تعيد بناء صناعتها العسكرية
لم تنجح الحرب في أوكرانيا في استنزاف المجمع الصناعي العسكري الروسي بالقدر الذي كان يتوقعه كثيرون في الغرب. وعلى العكس، تشير تحليلات غربية إلى أن موسكو تستغل الحرب لإعادة بناء صناعتها الدفاعية، ليس فقط لتعويض الخسائر، بل لتطوير نموذج عسكري جديد أكثر ملاءمة لحروب المستقبل.
المشكلة الأساسية في تقييم القدرة الروسية هي التركيز على الأسلحة التقليدية وحدها، مثل الدبابات والمدفعية والطائرات. لكن الحرب الأوكرانية دفعت روسيا إلى تسريع الاستثمار في مجالات أصبحت أكثر تأثيراً في ميدان المعركة، وفي مقدمتها المسيّرات، والحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذاتية، والذخائر الدقيقة ومنخفضة الكلفة.
الحرب تحولت إلى مختبر لتطوير السلاح
أحد أهم الدروس التي تستخلصها روسيا من الحرب هو تقليص الفترة بين اكتشاف مشكلة في الجبهة وإدخال تعديل على السلاح.
فالمعادلة أصبحت:
الجبهة → تحديد نقاط الضعف → تطوير الحل → الإنتاج → العودة إلى الجبهة.
وهذا يمنح الصناعات الدفاعية الروسية ميزة مهمة: الخبرة القتالية لا تبقى داخل الوحدات العسكرية، بل تنتقل بسرعة إلى المصانع والمطورين.
والنتيجة هي ظهور نموذج يجمع بين قدرة الدولة الروسية على الإنتاج واسع النطاق وبين شركات ومجموعات أصغر قادرة على الابتكار بسرعة.
المسيّرات… السلاح الذي غيّر المعادلة
أثبتت الحرب أن التفوق لا يعتمد دائماً على امتلاك أغلى الأسلحة وأكثرها تعقيداً.
مسيّرة رخيصة يمكن أن تجبر الخصم على استخدام صاروخ اعتراض تبلغ قيمته مئات الآلاف أو ملايين الدولارات.
وهنا تظهر المعادلة الاقتصادية للحرب:
إذا كان ثمن الهجوم أقل بكثير من ثمن الدفاع ضده، يستطيع المهاجم استنزاف منظومة الدفاع حتى لو لم يكن متفوقاً تكنولوجياً.
وتعمل روسيا على توسيع إنتاج المسيّرات، وخصوصاً مسيّرات FPV والمسيّرات الهجومية بعيدة المدى، بالتوازي مع تطوير وسائل مقاومة المسيّرات.
الحرب الإلكترونية: المعركة التي لا تُرى
الجانب الآخر من التحول الروسي هو الاستثمار المكثف في الحرب الإلكترونية.
فالمعركة الحديثة لا تدور فقط حول إصابة الهدف، وإنما حول القدرة على رؤية الهدف، تحديد موقعه، الاتصال بالقوات، توجيه المسيّرات والمحافظة على الملاحة والاتصالات.
لذلك أصبحت أنظمة التشويش على الاتصالات وGPS وغيرها من وسائل الحرب الإلكترونية جزءاً أساسياً من منظومة القتال الروسية.
وهذا يعني أن روسيا لا تطور السلاح الهجومي فقط، بل تعمل بالتوازي على تعطيل التكنولوجيا التي يعتمد عليها الخصم.
روسيا لا تحاول بالضرورة إنتاج “أفضل سلاح”
ربما يكون هذا هو الاستنتاج الأهم.
روسيا لا تحتاج دائماً إلى إنتاج سلاح يتفوق على كل سلاح غربي من الناحية التقنية.
ما تحتاج إليه هو إنتاج عدد كبير من الأسلحة التي تؤدي المهمة المطلوبة بتكلفة مقبولة وبسرعة عالية.
وهنا يبرز الفرق بين نموذجين:
النموذج الغربي: سلاح عالي التقنية، مرتفع الكلفة، وإنتاج محدود نسبياً.
النموذج الروسي المتطور: سلاح جيد بما يكفي، أقل كلفة، قابل للتعديل بسرعة، ويمكن إنتاجه بأعداد كبيرة.
وقد يكون هذا النموذج أكثر خطورة في حرب استنزاف طويلة.
نقطة ضعف روسيا لم تختفِ
لكن ذلك لا يعني أن الصناعة الروسية أصبحت بلا مشاكل.
لا تزال موسكو تواجه نقصاً في العمالة المتخصصة، ومشكلات في بعض المكونات الإلكترونية، وارتفاع تكاليف الحصول على التكنولوجيا الأجنبية، إضافة إلى تأثير العقوبات الغربية.
كما أن الاعتماد على اقتصاد الحرب يحمل مخاطر كبيرة على الاقتصاد الروسي على المدى الطويل.
لكن العقوبات، حتى الآن، لم تمنع روسيا من المحافظة على إنتاج عسكري مرتفع في قطاعات أساسية.
الخطر الحقيقي على أوروبا
المشكلة بالنسبة لأوروبا ليست فقط قدرة روسيا على مواصلة الحرب في أوكرانيا.
السؤال الأخطر هو:
ماذا سيحدث إذا توقفت الحرب؟
إذا تمكنت روسيا من الاحتفاظ بجزء كبير من قدراتها الصناعية والعسكرية، ثم استخدمت فترة ما بعد الحرب لإعادة بناء مخزوناتها، بينما عادت الدول الأوروبية إلى مستويات إنتاج دفاعي منخفضة، فقد تظهر فجوة خطيرة.
روسيا قد تبقى في حالة اقتصاد حرب، فيما تعود أوروبا إلى اقتصاد السلام.
وهذا تحديداً ما يجب أن يقلق العواصم الأوروبية.
الخلاصة
الحرب في أوكرانيا لم تثبت أن روسيا تمتلك صناعة دفاعية متفوقة على الغرب.
لكنها أثبتت شيئاً آخر أكثر أهمية:
روسيا قادرة على التعلم من الحرب وإعادة تنظيم صناعتها العسكرية بسرعة.
المستقبل لن تحدده فقط الطائرة الأكثر تطوراً أو الدبابة الأكثر حماية، بل أيضاً من يستطيع إنتاج المسيّرات والذخائر وأجهزة الحرب الإلكترونية والأنظمة الذاتية بأعداد أكبر، وبسرعة أكبر، وبكلفة أقل.
ولهذا فإن شطب روسيا من سباق التسلح سيكون خطأً استراتيجياً.
فالجيش الروسي الذي خرج من حرب أوكرانيا لن يكون بالضرورة الجيش نفسه الذي دخلها، والصناعة الدفاعية الروسية التي أعادت الحرب تشكيلها قد تكون أخطر ما تتركه الحرب خلفها.















عذراً التعليقات مغلقة