دفاع وأمن

بين الواقع والوهم: هل يمكن لإيران إغراق حاملة طائرات أميركية؟

بقلم تادي عواد
في زمن الدعاية العسكرية و«الانتصارات الافتراضية» على وسائل التواصل الاجتماعي، يروّج البعض لفكرة مفادها أن حاملة الطائرات الأميركية يمكن إغراقها بهجمات إيرانية. هذه الفكرة، وإن بدت جذابة للبعض أو مُرضية نفسيًا، لا تصمد أمام أي تحليل عسكري جدي أو تجربة واقعية موثّقة.
الحقيقة أبعد ما تكون عن هذا التبسيط الساذج:
إغراق حاملة طائرات هو من أعقد العمليات البحرية في الحروب الحديثة.

التجربة الأميركية: محاولة إغراق حاملة طائرات فعليًا
من الناحية العملية، أقام الجيش الأميركي تجربة حقيقية لدراسة إمكانية إغراق حاملة طائرات.
في عام 2005، وخلال مناورات RIMPAC، أجرت البحرية الأميركية تمرينًا استثنائيًا من نوع SINKEX بهدف دراسة مدى صمود حاملات الطائرات أمام أقصى أنواع الهجمات.
الحاملة المختارة كانت USS America (CV-66)، بإزاحة تقارب 66 ألف طن — أي أصغر بكثير من حاملات اليوم من فئتي Nimitz وGerald R. Ford التي تتجاوز 100 ألف طن.
ما جرى لم يكن ضربة واحدة ولا سيناريو دعائيًا، بل عملية تدمير ممنهجة استمرت أربعة أسابيع كاملة، شملت:
صواريخ مضادة للسفن أُطلقت من طائرات وسفن حربية
قنابل جوية خارقة وأخرى تقليدية
طوربيدات استهدفت أسفل الهيكل (أخطر أنواع التهديدات البحرية)
مراقبة دقيقة عبر كاميرات وأجهزة قياس لتشخيص الأضرار

النتيجة؟
رغم كل ذلك، لم تغرق الحاملة.
الهيكل المزدوج الطبقات صمد، ولم تغرق سوى حجرات محدودة من بين مئات الحجرات المعزولة. وفي النهاية، لم تُغرق USS America إلا عبر تفجير داخلي هندسي مدروس نفّذه مهندسون، باستخدام متفجرات وُضعت في نقاط محسوبة بعناية.
قد يعترض البعض بالقول إن الحاملة كانت خالية من الذخائر، لكن هذا الاعتراض يكشف جهلًا ببنية حاملات الطائرات:
مخازن الذخيرة تقع في عمق البدن السفلي ، معزولة بأبواب شديدة التحصين ضد الانفجار ومزوّدة بأنظمة إطفاء وإغراق فوري
في حال وقوع انفجار، تُغرق الحجرة نفسها بالمياه لوقف سلسلة الانفجارات

بمعنى آخر:
الخلاصة الهندسية: الطوربيد هو التهديد الأخطر
أظهرت نتائج التمرين أن الطوربيدات كانت السلاح الأكثر تأثيرًا على الهيكل، وهو ما دفع البحرية الأميركية إلى:
تعزيز مقاومة الهياكل ضد الصدمات السفلية
تحسين أنظمة امتصاص الانفجارات
تطوير تصاميم أكثر صلابة في الحاملات اللاحقة
أي أن التجربة لم تكشف ضعفًا، بل أدّت إلى مزيد من التحصين والتطوير.

إغراق الحاملة: مهمة شبه مستحيلة
قبل الحديث عن الإغراق، يبرز سؤال أكثر واقعية: كيف ستُصاب الحاملة أصلًا؟ فهي لا تبحر قرب السواحل المعادية
ترافقها مجموعة قتالية متكاملة (مدمرات، طرادات، غواصات)
دفاع جوي متعدد الطبقات:
من خارج الغلاف الجوي
إلى الدفاع المتوسط
إلى الدفاع القريب (CIWS)
أنظمة حرب إلكترونية وتشويش
قوة جوية ضاربة قادرة على تدمير التهديد قبل إطلاقه
إضافة إلى ذلك، فإن الحاملة نفسها منصة استطلاع وضرب استباقي، وليست هدفًا أعمى ينتظر الضربة.
حتى لو أُصيبت… لن تغرق بسهولة

الفارق بين حاملة طائرات بوزن 66 ألف طن و100 ألف طن ليس رقمًا نظريًا.
الحاملات الحديثة: تحتاج قوة نارية أكبر بكثير ، زمن إغراق أطول
قد تصمد بعد عشرات الاصابات ويمكن سحبها وإصلاحها حتى بعد أسابيع ، أي أن فكرة «الضربة القاتلة السريعة» غير موجودة في الواقع العسكري.

وهم أخير: الزوارق السريعة
وإذا كان إغراق الحاملة صعبًا، فهذا لا يعني أن محاصرتها بالزوارق أسهل.، هذا الوهم سقط منذ عقود أمام: الاستطلاع الجوي، الطائرات المسيّرة، المدافع القريبة، المروحيات القتالية

الخلاصة النهائية
الاعتقاد بأن حاملة الطائرات يمكن إغراقها بسهولة ليس تحليلًا عسكريًا، بل أمنيات سياسية أو دعاية نفسية.
الوقائع، والتجارب، والهندسة البحرية تقول بوضوح:
حاملة الطائرات ليست هدفًا سهلًا، وإغراقها ليس ضربة… بل حرب كاملة بحد ذاتها.
هذه ليست مبالغة، بل خلاصة تجربة حقيقية احتاجت أربعة أسابيع من القصف المتواصل لإغراق حاملة واحدة ومع ذلك صمدت وتم اغراقها بتفجير وبطريقة هندسية، لا قتالية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى